تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل:

أتاني كتابك، فأنعمت أن يسرني بسلامتك، وما حاق فيه كرم برك، ولطيف عنايتك، ما لم أفقد في حالة من حالاتك، فكان الكتاب مصدقا لما سلف، مبشرا بما يستأنف، مذكرا منك عهدا موصو

18 ... مثاله طرفي وقلبي، ملصقا ذكره بلساني وقلبي. فلا عدمتك، بل أمتعني الله بك فأطال، وكثرني ببقائك.

فصل:

أتاني كتابك فطامن قلبي وطرفي، بعد ما كان شاخصا إليه، متشوقا إلى رؤيته، ثم ملأني سرورا ما رأيت فيه من آثار برك وكريم تفقدك. وأفضل ما عندي منك قبله، مما إن ذكرته، فللاستراحة

19

إلى الذكر، وإن أمسكت، فللعجز عن الشكر. فأما الضمير فمبني على الإقرار بفضلك، والنية خالصة بشكرك. وقليل ذلك لك، فأعطاك الله فأطاب، ووهب فأجزل.

فصل:

وصل إلي كتابك فخيل لي حين نظرت إلى أثر يدك بمجرى قلمك في بطن صحيفتك، أنك ماثل بين عيني: أنظر إلى شخصك وأسمع من لفظك، فابتعث ذلك مني طربا شائقا، وصبابة هيجت الأحزان وذكرت الإخوان. وكنت من إخواني الذين أفخر بسلامتهم للود الذي أجرى الله بيننا وبينك، فتواصلنا بحرمته، وتعاطفنا بوصله.

فصل:

إن الله جعل عاقبة كل نعمة وإن عظمت، تبعا لأولها، وجعل الشكر عليها سببا لتمامها وموجبا لأحسن الزيادة منها.

فصل في شكر:

فإن الله جعلك للخير معدنا، وللفضل موضعا، فيما حملته نفسك من ثقل أعباء المروءة، وحملتها عليه من عظام المكارم، حتى صرت بما أنعم الله به عليك، منتهى كل أمل وغاية كل رغبة. ثم ألبست النعمة لباس التواضع، وناسبت في الأخلاق من سبقت به عليك الأمور، حتى كأنهم في النعمة لك شركاء. وتحننت على الأقربين والمتقربين من الإخوان والأكفاء، حتى كأنهم لك ولد، وأجبرت نفسك حين ساعدك الدهر، على طبيعة التقرب إلى العامة؛ فكلهم يدلي إليك بدلو رغبته، ويمتاح منك متاحة فضل؛ فلا عدمت ألا تزال تنعش سقطة، وتقيل عثرة، وتسد خللا، وتنيل أملا؛ ولا عدم من شهد ذلك منك، أن يستتم هذه النعمة عليك وعلى نفسه؛ فإن من سعادة العامة أن يجعل سارها عند خيارها. ومن البلاء العظيم عليها الموجع لها، أن يخص شرارها بموضع رغباتها.

فاسلم كلأك الله بهذه النعمة، غير منغص بها، ولا مكدر عليك

20

صفوها، حتى تسلمك النعمة العاجلة إلى النعمة الباقية؛ فإنا وإن علمنا أن من شأن الدهر الغدران في العواقب فقد علمنا أنك فيما أهدى الله إليك من النعمة، قد أديت حق الله عز وجل ثم حق إخوانك فيها، فكنت آخر من نال فضلك، كرما في السناء، ورضا في الأثرة، غير متطاول لما نأمل، ولا متضعضع لما تحذر؛ فإنا نجزي شكر الماضي منك، ورجاء الباقي، فنرى تضييعا منا في عقد الرأي، وإزراء بنا في وثائق الأمور، ألا نمنحك من أنفسنا مودة الولد ورقة الوالد، وإذا أعطاك امرؤ ثمرة فؤاده، فقد فرغ إليك من جميع حقك؛ لأن ذات يد امرئ في البذل أهون عليه من ذات نفسه في الشكر. وكفى لامرئ من امرئ أن يستولي عليه حتى لا يدع لغيره فيه فضلا. وكفى بك لنا من غيرك. وكثير منا أن نقوى على أداء أدنى صنوف حقك، غير أن أوثق أمورنا فيك عند أنفسنا ألا نسأم النظر إلى فنائك بهجين بك إن برزت، وعاذرين لك إن شغلت.

فصل:

إن الهدى والضلالة يقتسمان دول الأزمنة، لغير كرامة للباطل، ولا هوان للحق. وأهل الحق كيف تصرفت أحوالهم في كرامة من الله عز وجل، ونعمة بين دولة تكون لهم، يقومون لله فيها بحقه ويظهرون هداه ودينه، ودولة تكون للباطل، يكونون فيها كهوفا للخيرات، ومعدنا للحسنات، يستكن الحق في صدورهم، ويأوي البر والصدق إليهم؛ فهم بين يومي صبر وشكر، ليس أحدهما دون صاحبه في الفضل.

وأهل الباطل كيف تصرفت أمورهم بين سخط الله وعقوبته؛ لأن الله تعالى لم يجعل في الباطل فرجا لأهله، وإن كانت لهم دولة كانت إملاء واستدراجا، وكانوا فيها على مدرجة هلكة وسبيل نقمة؛ وإن كانت الدولة لأهل الحق، كانوا فيها بين ذيل وضيم، وخوف وجزع، وقد سدت عليهم المطالع، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ففي أي يوميهم مستراحهم: أيوم دولتهم، وهم لا يشكرون النعمة ولا يقطعون أسباب النقمة؟ أم يوم علو الحق عليهم، وهم لا يصبرون على المحنة ولا يبصرون من العمى؟ وأهل الحق بين حالي غبطة وحسبة، وأهل الباطل بين حالي إملاء ونقمة.

عصر المأمون · الصفحة ٤١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤١٨