تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل:

فإن الذي شعب الله بيننا من التواصل والتكاتب، يدعوني إلى متابعة الكتب إليك في تعهد حقك، وإن كان الخبر عن ظاهر الحال قلما يغني، فإن له من الأنس والموقع في الكتب ما ليس لمستعرضات الأخبار.

فصل:

قد كنت أعلمت الأمير انقطاع بني فلان إلى فلان، بأهوائهم وبصائرهم وشراء

12

ما قبله بغيره، وما كان وصل إلينا في ذلك من الأمور التي حملوا إصرها، وبقي لنا أجرها وذكرها ونافلتها وسابقتها؛ فنحن عدد الأمير وخباياه وذخائره، ومن يأمل يومه وغده، ولا متخطى له عنه ولا مقتصر دونه.

عمارة

بلغني كتابك يصف كذا، فإن رأيت ألا تعتمد على ما لصقت [به] من عذرك، وأطعت فيه الهوى من قبول عفوك، وتجعلني أحد من يسر بسرورك، وتشركه في مهمات أمورك، فإني أحدهم وأوسطهم عناية بما عناك وتوسطا لما عراك، فعلت.

فصل:

والدنو من دارك إذ الدار جامعة والحبل متصل، إذ نحن في الاستيفاء بالخبر والعلم بدخلة الحال، بمنزلة من كأنه يعاني من يشتاق إليه ويصبو به في كل يوم، حتى نأت النوى، وأنت في اللقاء والإنظار في كل أمر وعلى كل حال من لا يشك في صفاء غيبه، وصدق إخائه.

فصل:

مشاركتنا إياك في محبوب الأمور ومكروهها يحلنا محلك في السرور بالنعمة يجددها الله لك، ويوجب من الشكر علينا

13

مثل الذي يوجب عليك. فوصل الله كل نعمة يهبها لك من الشكر بما يكون لحقها قاضيا، وللمزيد فيها موجبا.

سعيد بن عبد الملك

كتبت على شغل في قطع من القرطاس، ولم يقطع بي حسن الظن بك في قبولك العذر، وتحسينك ما أنت أهل لتحسينه؛ فإنك تقبل دون حقك، وتهب الذنب فيه، فيكون شكرك جاريا على سبيلين، كلاهما يبين لك عن فضلك، ويوجب لك ما لا يقصر معه إلا مغبون الحظ خسيس النصيب.

فصل:

وقد ظهر من أمير المؤمنين في فلان بعد وفاته، ما هو أعدل شاهد على حسن منقلبه، ورد إليك من رأيه وتفقده ما أرجو أن يكون فيه أعظم العوض. والله أسأل أن يتولى لك أمورك في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والشكر وحسن العزاء.

جبل بن يزيد إلى بعض إخوانه

تمم الله علينا وعليك النعم، وأجزل لنا

14

ولك محاسن صالح القسم. إن الله تبارك وتعالى أجرى بيننا وبينك لطيف مودة، وخاص أخوة، غير أن المعرفة قد تحمد بعد الخبرة، والثقة إنما تعرف بعد التجربة، وقد أحببت أن يعلم من قبلك

15

الذي أحدث الله لك من حال دولتك، وأن يعلم هل أبقت لنا منك النعمة سعة، أم تركت لنا منك صفحة نعرف بها عهدك ونأمل بها وصلك؟ فإن أصحاب السلطان، بحال بلوى في التغير والانتقال، إلا من نالته من الله تبارك وتعالى عصمة. فإن كنت على ما رجونا من الوفاء، وحسن الحفظ للمودة والإخاء، فمثلك لم يرض لنفسه إلا بأجمل الأخلاق وأوفقها للسداد. وإن حجزك عن ذلك ما تأتي به الأقدار في متصرف الليل والنهار، نعذرك بما نعذر به أهل السلطان، إذا غيرتهم الحال، وتنكرت شمائلهم بين الإخوان.

وله إلى بعض إخوانه أيضا: اعلم أني إليك مشوق، وأن صلة الإخوان كرم، وخير الصلات ما لم يكن لها وجه إلا الرجاء والحفظ وتجديد المودة وتصحيح الإخاء؛ فإن الذي يكاتب إخوانه على حال الرغبة يكفي القائل كتابه حيث شاء، إن أحب مال به إلى الصحة، وإن شاء وضعه للرغبة، والرغبة أملكهما

16

به. والذي يكاتب إخوانه على حال الضرورة، فقد يستقطع الصلة عند الحدث مخافة الملامة

17

من الناس على القطيعة الشنعاء المشهورة لإخوانه؛ فإن الذي لا مودة له قد يصل ذلك في تلك القطيعة بأهل البلاء.

والكتاب على مثل حالنا وحالك اليوم شاهد على أن ذلك ليس إلا صحة الإخاء والشوق إلى المحادثة بالكتاب، حين لا يلومك اللائمون لمنزلة البلاء تلك اللائمة على التقصير، ولا يوضع منك الرغبة في الإطماع. إياك أن تعتل بالأشغال أن كنت في خاصة نفسك، فإن أداء الحق وصلة الإخوان أعظم الخاصة بك خاصة. وإنما أمرنا في كل هذا كأمرك في الذي يستغني من خاصتك تلك التي لنا، فإن لنا ما لك، وهذه التي لنا لك؛ أليس ما سرنا سرك وما سلبناه حظا لك، فهذه كذلك وذلك كهذي. والله يوفقنا وإياك. وأنت أبا يوسف. هكذا حال ما بيننا وبينك ما وصفت لأبي سعيد، غير أنه سألنا أمرا لم يسألناه قط، فله فضل السبق علينا في المسألة، ولنا فضل المنزلة عليك في اللائمة. ولن أدعك والفعل، دون أن تشفعه بالعمل الذي هو صلة القول. وسلام عليك ورحمة الله، وقضى الله عز وجل بالحسنى لنا ولك.

عصر المأمون · الصفحة ٤١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤١٧