تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى المأمون من عامل

قل من يسارع إلى بذل الحق من نفسه، إذا كان الحق مضرا به، وقل من يدع الاستعانة بالباطل، إذا كان فيه صلاح معاشه، وسبب مكتسبه؛ وإذا تفرق الحق في أيدي جماعة فطولبت به، تشابهت في الكره لبذله، وتعاونت على دفعه ومنعه، بالحيل وبالشبه قولا وفعلا؛ واحتاج المبتلى باستخراج ذلك الحق من أيديها، إلى استعمال مجاهدتها ومصابرتها على الحيلة في مدافعتها.

ابن الكلبي

كان خبر ما أبلاك الله في فلان بعد أمانه ما عزمت عليه من الأمان، خبرا عظم مكانه من أمير المؤمنين، وحسن موقعه من الدين؛ ثم ردف خبرك بإذعانه عند ما عضه من بأسك، ومسه من مؤلم إيقاعك للاستسلام، وطلب عقد الأمان؛ وإنك بذلت له ما طلب لا لرهبة بقيت في ناحيتك، إلا الاحتذاء على مثال أمير المؤمنين وأدبه؛ فكان إباؤه ما عرضت عليه في أول أمره ذخيرة حظ فيما كشفت عنه البلوى من محمود أثرك، واجتمع لك في ذلك حظان: الظفر آخرا، والدرك لما حاولته أولا، فلا زلت على نصيبك من الحظ، مؤيدا بالنصر والمعونة، والحمد لله على ما حقق من الظن

8 ... من هذه النعمة على يديك وبسعيك.

إبراهيم بن إسماعيل بن داود إلى ذي الرياستين

وصل إلي كتابك بخط يدك المباركة، فلم أر قليلا أجمع، ولا إيجازا أكفأ من إطناب، ولا اختصار أبلغ في معرفة وفهم منه؛ وما رأيت كتابا على وجازته، أحاط بما أحاط، وضربت ظني في فلان فعظم ذلك سروري، وقد يستعطف الظالم، ويستعتب المتجني؛ وفي رفقك وعلمك بالأمور ما يصلح الفاسد، ويذلل الصعب، ويقبل المدبر؛ ولا يمنعنك جور من جار عليك، من الاعتقاد في الحجة عليه، والأخذ بالثقة في أمره، فإن الله عز وجل لم يجعل عليك في ذلك منقصة ولا غضاضة، بل فيه الإعذار والإنذار والاستبصار، وقضاء حاجة النفس، مع التأدية إلى السلامة، والأمن من الندامة.

فصل:

أنا في حال عافية، تتجاوز إلى حال نعمة، والحمد لله حتى يرضى، فقد أرضى؛ فأما ما أشرت به، وخبرت من إمضاء رأيك فيه، والإمساك عنه، فمثلك جعل لمن نصحه شركاء في كل أمره، ولم يجعل رأيه فرضا لبعضه أن يتعدى،

9

وذكرت أدب فلانة، وعندنا لفلانة الطمع المستقبل مع الإنعام المتقدم، مع أنه لا شيء لها عندنا قل ولا جل، ولو كان ما استحللنا حبسه صفقة كف، ولا تغميض طرف؛ وذكرت أنه لا يستغني مثلنا عن مثلها، وأبدال الله كثيرة عتيدة، وما بان علينا فقد أحد ممن كان قبلها في دارنا، فحال بيننا وبينه حائل، ولا اختللنا له مع نظر الله تبارك وتعالى وأخلافه؛ وبعد هذا فأحسن الله جزاءك، وحاط لي فيك ما أحب منك، وكفاك المهم وكفانيه بك، فما تقوم نفس لو كانت لي أخرى مقامك في نصيحتي وبري، والاهتمام لي، بما أنا عنه ساهية لاهية من أمري، لا أعدمنيك الله ولا النصيحة منك.

فصل:

قال أبو جعفر الكرماني للحسن بن سهل ووعده شيئا فأبطأ عليه: أنا أعرف تكامل الثقة فيك، ورجاحة الفضل بك؛ وأعلم أن فعلك يربي على قولك، وأن إنجازك أكثر من وعدك؛ فقدم لي من كرمك، ما أثمره إلى أن

10

يلحقه المتأخر عنه، وإلا فدلني على ما أقول إذا سألني من بعثته على شكرك، عما بلغه من الحظ على نيتك. فقال الحسن: تقول ما ينبغي. فقال: فافعل ما ينبغي أقله.

عمرو بن مسعدة

وصل إلي كتابك، على ظمأ مني إليه، وتطلع شديد، وبعد عهد بعيد، ولوم مني على ما مسستني به، من جفائك، على كثرة ما تابعت من الكتب، وعدمت من الجواب، فكان أول ما سبق إلي من كتابك السرور بالنظر إليه أنسا بما تجدد لي من رأيك، في المواصلة بالمكاتبة، ثم تضاعف المسرة، بخبر السلامة، وعلم الحال في الهيئة؛ ورأيتك بما تظاهرت من الاحتجاج، في ترك الكتاب، سالكا سبيل التخلص مما أنا مخلصك منه، بالإغضاء عن إلزامك الحجة، في ترك الابتداء والإجابة؛ وذكرت شغلك بوجوه من الأشغال كثيرة متظاهرة ممكنة، لا أجشمك متابعة الكتب، ولا أحمل عليك المشاكلة بالجواب؛ ويقنعني منك في كل شهر كتاب، ولن [تلزم]

عصر المأمون · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤١٥