تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 ... فضل نتخذه بمثل ما أقنع رجلا من فضل يتخذه عليه.

فصل:

ما أنت ممن يعلم من جهل به، ولا تحس منه بادرة زلة، ولا يقابل بين أمرين إلا عرف خيرهما فآثره، وشرهما فاجتنبه. وقد رأيت ما ساقت إليك الطاعة من حظ العاجلة، فلا تتعرض لزوال ما أنت فيه، فتخسر الحظين، وتندم في الدارين؛ فقد رأيت من عاند الحق كيف صرعه الله وبسط يد وليه على سفك دمه، وإحلال النقمة به، فصار بعد أن كان في الأمنية مثلا، ولجميع الخلق غاية وأملا، فكرة في الاعتبار، وعظة للأبصار. فلا يبعد الله إلا من ظلم وختر، وذهب عن الحق وأدبر. وأنت اليوم محكم في أمرك، مخير في رأيك، تدعى إلى حظك بالحظ الجزيل بتدلل. فاهتبل ما قد هدف لك وهو ممكن ليدك، فإنك إن أهملت وتراخيت، لم يكن بالحق ووليه وحشة إليك، ومضت أحكام الله في نصرها وتأييدها على أذلالها،

4

وصفرت يدك بما لا يشرف لك بمثله، وأخطرت بدمك وأسلته أخبث مسيل وأضل سبيل، حيث لا تبكي عليك السماء والأرض.

فصل:

الناس رجلان: عالم لا غنى به عن الازدياد، وجاهل به أعظم الحاجة إلى التعلم، وليس في كل حال يكون العالم لما يبدهه من الأمور معدا، ولا المتعلم على ما يستفيد منه قادرا وفيا.

فصل:

إن أنت عطلتنا من أمورك، وأعفيت ظهورنا من أثقالك ومئونتك، وتركتنا أغفالا في ولايتك من تنبيهك وتحريكك، فقد أنزلتنا منزلة من لا خير عنده، وجعلت نفسك أسوة من لا معين له، وكفى بذلك ظلما.

فصل:

إن إعلامي إياك

5 ... غير محدد شيئا، ولكنه أقرب من الجميل في معرفة عذر المعتذر، وأحمل للائمة على المسيء المقصر.

فصل:

الذي اعتمدنا عليه من رأيك، ونثق به من جميل نظرك، قد خلطني بأهل صنائعك، والخاصة من ثقاتك، وبسط أملي فيك إلى غاية خير يرتجى، أو جزيل حظ يؤمل.

فصل:

ليس يسوغ لأحد في الأمير أمل، ولا يتوجه إليه منه رغبة، ولا يلزمه في قضاء حقه، ودنانة

6

مئونته إلا وفضله مستغرق لها.

فصل:

من أحمد الأمور وأجمل المذاهب، ما كان آخره موصولا بأوله، ومؤديا بدؤه إلى حمد عاقبته؛ فحافظ على الأمور التي حسن فيها عند أمير المؤمنين أثرك، مستقلا فيها لكثير ما يكون منك، معتدا بها في النعم عندك، والإحسان الواصل إليك، فيما يوفقك الله له منها ويخصك به من الفضل في اختيارها، وأمير المؤمنين يستحفظه الله لك، ويستمتعه في النعمة فيك.

فصل:

قد كان يجب أن تجعلنا بمتابعة النعم علينا في خاصة الشاكرين لفضلك، ولا تجعلنا بتواتر الإساءات إلينا في عامة الشاكين لك.

فصل:

علمي بما بنى الله عليه أخلاق الأمير - أكرمه الله - وجعل عليه رأيه في بسط العدل على رعيته، وبث الفضل على ملتمسي فضله، يبعثني على الكتاب في مثل ما كتبت إليه فيه، من ظلامة مظلوم يستعيذ فيها بعدله، وحاجة ملهوف يرجع فيها إلى فضله؛ فأجمع إلى ما ألتمس من الثواب في ذلك موافقة رأي الأمير، وإذكاره ما يجب أن يذكر به؛ فزاد الله الأمير من نعمه، وأوزعه من الشكر عليها ما يوجب له تتابعها عنده، وترادفها له.

فصل:

أنت - والحمد لله - ممن احتمل الصنيعة، وقبل الأدب، وصدق المخيلة، وخلص على المحنة وحسن الظن؛ فاستقامت طريقته وقدمه جميل مذهبه وآثاره، وجرت على قصد السبيل طاعته، واشتدت على السريرة والعلانية مناصحته؛ فأصبح أمير المؤمنين لا يتناهى في برك وتكرمتك، إلا رآك مستحقا لها ولما فوقها، ولا يرفعك إلى درجة إلا رآك أهلا لأشرف منها، صنعا من الله لك بما وفقك له من طاعته، ووهب لك من جميل مراتبه، والمكان منه والأثرة عنده.

فصل:

فضل مشاركتنا إياك في محبوب الأمور ومكروهها يحملنا في السرور بالنعمة عندك - فجددها الله لك - ويوجب الشكر بما يكون لحقها قاضيا، وللمزيد فيها موجبا.

سعيد بن حميد:

شغلك يقطعنا عن مطالبتك بالحق في جوابات كتبنا إليك، وصدق مودتنا لك يمنعنا من التقصي في الحجة عليك، ومن يكلك إلى رأيك فإنه لا يفي بك إلا لك، صلة إخوانك والتعاهد لهم من برك، بما يشبه فضلك والنعمة عليهم فيك.

عصر المأمون · الصفحة ٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤١٢