تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني

قبر بحران فيه عصمة الدين

فيه الإمام وخير الناس كلهم

بين الصفائح والأحجار والطين

فيه الإمام الذي عمت مصيبته

وعيلت كل ذي مال ومسكين

فلا عفا الله عن مروان مظلمة

لكن عفا الله عمن قال آمين

ثم انتقل الأنصار إلى الكوفة، وقد ساعدهم أبو سلمة الخلال المعروف ب «وزير آل محمد»، ولكنه عدل عنهم أخيرا، وقيل: إنه كاتب ثلاثة من أعيان بني علي يعرض الخلافة على أحدهم؛ وهم: جعفر الصادق بن محمد الباقر، وعبد الله المحض بن حسن، وعمر الأشرف بن زين العابدين، وكانت خاتمة حياته القتل.

ونريد بعد الذي قدمناه أن نلم بحياة الخلفاء العباسيين الذين سبقوا المأمون، لنرى كيف كانت الحياة السياسية في عهدهم الذي كان بلا شك نواة صالحة لعصر المأمون، وإنا لنرجو إذا وفقنا إلى بيان المناحي التي امتاز بها هؤلاء أن ينكشف الغطاء عن حقيقة أمرهم ومكانتهم التاريخية، كما نرجو أن نظفر من وراء تفهم أقدارهم وحقيقة عصورهم بتفهم الأصول التي كونت العصر الذي من أجله وضع هذا الكتاب.

| هوامش

الفصل الرابع

| أبو العباس السفاح

كان أبو العباس السفاح أول من تولى الخلافة العباسية ونقل الملك من بني أمية إلى بني العباس، وقد أجمع المؤرخون على أنه كان وافر الكرم، ظاهر المروءة، جليل الوقار، كثير الحياء، حسن الأخلاق، وصولا لذوي الأرحام.

وكان إلى جانب هذه الأخلاق السمحة الرضية يجمع قلبا ذكيا وأنفا حميا في تعقب الأمويين، وتبديد شملهم في كل بقعة يخشى أن تسمع لهم فيها كلمة، أو يطاع لهم رأي، أو يؤثر عنهم صنيع. وكانت هذه الدولة الناشئة تحتاج إلى مثل هذه القسوة من مثل أبي العباس السفاح.

ويجب أن نذكر دائما في مثل هذه الظروف أن جل الملوك الذين بعثوا لإنشاء دول جديدة، وممالك جديدة، وأسرات ملكية جديدة، مثل أبي العباس السفاح وغيره، هم مكرهون لا محالة على استعمال القسوة، وأخذ الأمور بالحزم والشدة دون إغفالهم الموادعة والملاينة فيما لا يهدد عروش ملكهم، وصروح سلطانهم.

قالوا: إنه كان في بعض أيامه جالسا في مجلس الخلافة وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه وتبسط معه حتى دخل عليه سديف الشاعر وأنشده:

لا يغرنك ما ترى من رجال

إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع السوط حتى

لا ترى فوق ظهرها أمويا

فقال له سليمان: قتلتني يا شيخ! ودخل السفاح وأخذ سليمان فقتل.

وهذا الذي صنعه السفاح أصبح سنة عباسية في تأييد الملك، وكان قليل من الإغراء كافيا في محق من تقع عليه العين من خصوم الخلافة، فقد دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه فقال:

أصبح الملك ثابت الأساس

بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم فشفوها

بعد ميل من الزمان وياس

لا تقيلن عبد شمس عثارا

واقطعن كل رقلة وغراس

خوفهم أظهر التودد منهم

وبهم منكم كحز المواسي

ولقد ساءني وساء قبيلي

قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله

بدار الهوان والإتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيد

وقتيلا بجانب المهراس

والقتيل الذي بحران أمسى

رهن رمس في غربة وتناسي

فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط النطوع عليهم، فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا.

ولم تقف هذه الوحشية عند حد التنكيل بالأحياء؛ بل تعدتهم إلى الأموات، فقد ذكر أن عبد الله بن علي أمر بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فوجدت فيه عظام كأنها الرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدت فيه جمجمته، وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك؛ فقد وجد صحيحا لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وأحرقه وذراه في الريح، ثم تعقب أولاد الخلفاء من بني أمية فلم يفلت منهم إلا من كان في المهد صبيا، وأدرك بعض الهاربين إلى الأندلس فقتلهم بنهر أبي فطرس،

عصر المأمون · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤١