تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونستطيع أن نتبين مرمى السياسة العباسية من الكتاب الذي بعث به إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخراساني فيما يرى أن يعمله لتأييد الدولة الجديدة، قال: «إنك رجل منا أهل بيت، احفظ وصيتي: انظر هذا الحي في اليمن فالزمهم، واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله.»

وقد حرص أبو مسلم على تنفيذ هذه الوصية، فكان يسرع إلى قتل كل من يتهمه، ويقضي على كل من يرتاب في أمره حتى بلغت ضحايا هذه الخطة فيما يقول المؤرخون العرب: ستمائة ألف نفس قتلت صبرا.

ومهما افترضت المبالغة والغلو في إيرادهم هذا العدد، فإن الواقع أن أبا مسلم قد أسرف أيما إسراف في القتل وسفك الدماء تنفيذا لوصية الإمام.

حل أبو مسلم خراسان سنة 128ه فساسها بحزمه ودهائه وقوته، وأقام بقرية من قرى مرو يقال لها: «سفيذنج»، وقد كثر أنصاره وانثال الناس عليه من كل صوب، فأعلن فيهم لبس السواد، واتخذه شعارا للعباسيين، ثم غير شكل صلاة العيدين بأن بدأ بها قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أمية تبدأ بالإقامة كصلاة يوم الجمعة - وأمر بأن يكبر ست تكبيرات تباعا، وكاتب نصر بن سيار الوالي الأموي، ولما ضاقت «سفيذنج» عليه ولم تتسع لأنصاره رحل إلى الماخوان،

2

وكانت عدة رجاله - فيما يقول المؤرخون - سبعة آلاف رجل، ثم احتال في التفرقة بين نصر ورجاله حتى أخذ بناء خصمه ينهار، ويتخلى عنه أنصاره واحدا بعد واحد، وفي هذا يقول نصر شعرا بعث به إلى مروان الحمار الخليفة الأموي:

أرى بين الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن لم تطفها عقلاء قوم

يكون وقودها جثث وهام

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب أولها كلام

فقلت من التعجب ليت شعري

أأيقاظ أمية أم نيام؟

فلما ورد هذا الشعر على مروان لم يجب عليه بما يجب أن يجيب به الملك الحازم الحريص على ملكه المبقي على عرشه، من مبادرته بإرسال الكتائب والجيوش لكبح الثائرين على الملك، أو إعداده المعدات لإرسالها، وإنما كتب إلى نصر كتابا يمثل الضعف والاستسلام، وينبئ بجنوحه إلى سياسة القول والكلام - في موضع يتطلب تقلد الرمح والحسام - يقول فيه: «إن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت هذا الداء الذي قد ظهر عندك»، فقال نصر لأصحابه: «أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده.» •••

يجب ألا يفوتنا أن نشير هنا إلى ناحية مهمة في خلق أبي مسلم تمثل ما يجب على القواد من الحزم والكتمان؛ فقد جاء في «كتاب المحاسن والمساوي» للبيهقي ما نصه: «قيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت بالكتمان ، وائتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت ظني، وحزت حد بغيتي، وأنشد:

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت

عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا

ما زلت أسعى عليهم في ديارهم

والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا

حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا

من نومة لم ينمها قبلهم أحد

ومن رعى غنما في أرض مسبعة

ونام عنها تولى رعيها الأسد»

ا.ه.

على أن مروان استيقظ أخيرا من غفوته، وانتبه من غفلته، وأمر بأخذ إبراهيم بن محمد، فلما قبض عليه في الحميمة بالبلقاء أوصى بالأمر إلى أخيه أبي العباس، وأمر أهله وأنصاره بالمسير إلى الكوفة، وحضهم على السمع والطاعة لأبي العباس.

وقد حبس إبراهيم في سجن «حران» مع جماعة من خصوم مروان من بني أمية، وظل في سجنه حتى مات، وقد اختلف المؤرخون في كيفية موته، فمنهم من قال: إنه سقي سما، ومنهم من قال: هدم عليه بيت فمات.

على أن المؤرخين وإن اختلفت أقوالهم في كيفية موته قد أجمعوا على أنه قد مات غيلة وانتقاما، وقد رثاه بعض الشعراء فقال:

عصر المأمون · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٠