1
وكان فيمن قتل محمد بن عبد الملك بن مروان، والغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الواحد بن سليمان، وسعيد بن عبد الملك، واستصفى بعد ذلك ما كانوا يملكون من نشب ومال، فلما فرغ منهم تغنى بهذه الأبيات:
بني أمية قد أفنيت جمعكمو
فكيف لي منكمو بالأول الماضي
يطيب النفس أن النار تجمعكم
عوضتمو من لظاها شر معتاض
منيتمو - لا أقال الله عثرتكم -
بليث غاب إلى الأعداء نهاض
إن كان غيظي لفوت منكمو فلقد
منيت منكم بما ربي به راضي
قلنا: إن السفاح كان إلى جانب هذه القسوة برا بذوي رحمه، وصولا لهم؛ ولنذكر مثالا لذلك تصرفه مع آل الحسن بن علي الذين بايع بعض العباسيين رجلا منهم هو محمد بن عبد الله - كما بينا من قبل - فقد روى عبد العزيز بن عبد الله البصري عن عثمان بن سعيد بن سعد المدني: أنه لما ولي الخلافة أبو العباس السفاح قدم عليه بنو الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فأعطاهم الأموال وقطع لهم القطائع، ثم قال لعبد الله بن الحسن: احتكم علي، قال: «يا أمير المؤمنين، بألف ألف درهم، فإني لم أرها قط.» فاستقرضها أبو العباس من ابن مقرن الصيرفي وأمر له بها.
قال عبد العزيز: لم يكن يومئذ بيت مال، ثم إن أبا العباس أتى بجوهر مروان فجعل يقلبه وعبد الله بن الحسن عنده، فبكى عبد الله، فقال له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: هذا عند بنات مروان وما رأت بنات عمك مثله قط! قال: فحباه به، ثم أمر ابن مقرن الصيرفي أن يصل إليه ويبتاعه منه، فاشتراه منه بثمانين ألف دينار.
على أن هذا الرفق واللين وهذه السياسة والحكمة لم تنس أبا العباس السفاح ما يجب عليه من مراقبة الطالبيين، والتسمع لما قد يجيش في خواطرهم من الخروج عليه أو الكيد له؛ فإن صلة الرحم من مثل السفاح لا تكون ظاهرة خلقية بقدر ما تكون حيلة سياسية، وكذلك رأيناه يقول لبعض ثقاته وقد خرج من عنده بنو الحسن: «قم بإنزالهم ولا تأل في إلطافهم، وأظهر الميل إليهم والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنهم أحق بالأمر منا كلما خلوت بهم، وأحص لي ما يقولون وما يكون منهم في مسيرهم ومقدمهم.»
ومما ذكرناه يرى القارئ معنا أن السفاح قد جمع حقا القسوة واللين، وأنه لم يكن في عنفه بأخطر منه في رقته، وإنما كان يلين ليستل سخيمة مدفونة، أو ليستدرج بعض الحاقدين، ويقسو ليري أعداءه أن لا أمل لهم في الكيد لذلك السيف المسلول.
ومهما يكن من شيء، فإن خلافة أبي العباس كانت أقصر من أن تسمح لخصاله وأخلاقه بالظهور والتأثير القوي في سياسة الدولة وسيرة خلفائها.
ولو عمر السفاح لكان من الممكن أن يرسم لخلفائه خطة تجنبهم بعض ما تورطوا فيه من الاضطراب.
| هوامش
الفصل الخامس
| أبو جعفر المنصور
كان المنصور ملكا سديد الرأي، محكم التدبير، وكان قوي العزيمة، جريء القلب، يمضي إلى غايته مضي السهم إلى الرمية لا يثنيه عنها شيء، سياسي حاذق لا يقبل أن تتدخل في سياسته عاطفة ولا خلق ولا اعتبار آخر إلا فوزه السياسي ليس غير، وهو إلى ذلك داهية، وربما اضطره الدهاء إلى شيء إن لم يكن الإثم الخلقي فهو يشبهه في كثير من الأحيان.
وهو من هذه الناحية أحد أولئك الساسة الذين عرفهم التاريخ من حين إلى حين بالإقدام في غير تردد ولا لين ولا تهيب للوسائل، والذين مثلهم «مكياڤلي» أحسن تمثيل.
فقد ذكر ابن الأثير أنه أحضر مرة ابن أخيه عيسى بن موسى وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد بن عبد الله، فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين، قال المنصور: فأين قول ابن هرمة:
نزور امرأ لا يمخض القوم سره
ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى
وإن قال: إني فاعل، فهو فاعل؟
ثم قال: امض أيها الرجل، فوالله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا. فسار وسير معه الجنود، وقال المنصور لما سار عيسى: «لا أبالي أيهما قتل صاحبه!»