وليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه حتى لا يحتاج السامع بما فيه إلى الروية فيه. ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو، ويحطه عن غريب الأعراب، ووحشي الكلام. وليس له أن يهذبه جدا وينقحه ويصفيه ويزوقه حتى لا ينطق إلا باللب وبالسر، وباللفظ الذي قد حذف فضوله وتعرق زوائده، حتى عاد خالصا لا شوب فيه؛ فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأن يجدد لهم إفهاما وتكرارا؛ لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام، وصارت أفهامهم لا تزيد على عاداتهم إلا بأن تعطس عليها وتؤخذ بها؛ ألا ترى أن كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا الاسم لو قرأته على جميع خطباء الأمصار وبلغاء الأعراب لما فهموا أكثره؟! وفي كتاب إقليدس، كلام يدور وهو عربي وقد صفي، ولو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، إلا بأن يفهمه من يريد تعليمه؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، وتعود اللفظ المنطقي الذي استخرج من جميع الكلام.
وقد قال معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - لصحار العبدي: ما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. قال معاوية: أو كذاك تقول. قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، لا تخطئ ولا تبطئ. فلو أن سائلا سألك عن الإيجاز فقلت: لا تخطئ ولا تبطئ وبحضرتك خالد بن صفوان لما عرف بالبديهة وعند أول وهلة أن قولك لا تخطئ مضمن بالقول، وقولك لا تبطئ مضمن بالجواب. وهذا حديث - كما ترى - قد ارتضوه ورووه؛ ولو أن قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟ لظننت أنه كان سيقول الاختصار والإيجاز، ليس يعني به قلة عدد الحروف واللفظ. وقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار
65
فقد أوجز، وكذلك الإطالة. وإنما ينبغي أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه، ولا يردد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل.
وقلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلت حاجاتهم إلي فيه، وإنما غايتي المنالة، فإذن أضع بعضها هذا الوضع المفهوم لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وأنا قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت، ولكن ما بال إبراهيم النظام وفلان وفلان يكتبون الكتب لله بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في موافقته وحسن نظره وشدة عنايته، فلا يفهم أكثرها؟
وأقول لو أن يوسف السمتي كتب هذه الشروط أيام جلس سلمان بن ربيعة شهرين للقضاء فلم يتقدم إليه رجلان والقلوب سليمة والحقوق على أهلها موفرة، لكان ذلك خطلا ولغوا، ولو كتب في دهرنا شروط دهر سلمان لكان ذلك غرارة ونقصا، وجهلا بالسياسة وما يصلح لكل دهر؛ ووجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، وإذا أنشدوا الشعر بين السماطين في مدح الملوك أطالوا؛ فللإطالة موضع وليس ذلك بخطل، وللإقلال موضع وليس ذلك من عجز.
ولولا أني أتكل على أنك لا تمل باب القول في البعير حتى تخرج إلى الفيل، وفي الذرة حتى تخرج إلى البعوضة، وفي العقرب حتى تخرج إلى الحية، وفي الرجل حتى تخرج إلى المرأة، وفي الذبان والنحل حتى تخرج إلى الغربان والعقبان، وفي الكلب حتى تخرج إلى الديك، وفي الذئب حتى تخرج إلى الضبع، وفي الظلف حتى تخرج إلى الحافر، وفي الحافر حتى تخرج إلى الخف، وفي الخف حتى تخرج إلى البرثن، وفي البرثن حتى تخرج إلى المخلب؛ وكذلك القول في الطير وعامة الأصناف، لرأيت أن ذلك يوجب الملال، ويعقب الفترة المانعة من البلوغ في الفهم، وتعرف ما يحتاج منه إلى التعرف، فرأيت أن جملة الكتاب وإن كثر عدد ورقه، أن ذلك ليس مما تمل من كثرة قراءته أبدا وتعتد علي فيه بالإطالة؛ لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، وكل مصحف منها أم على حدة. فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني، ولا الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون جماما لبعض، ولا يزال نشاطه زائدا، ومتى خرج من آي القرآن صار إلى أثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب فلعله أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضى به إلى مزح وفكاهة وإلى سخف وخرافة. ولست أراه سخفا إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء ومأدبة العلماء، ورأينا الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلم. فأصوب العمل اتباع آثار العلماء والاحتذاء على مثال القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. وقال ابن يسير في صفة الكتب كلمة له: