ولولا ما تسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا من الحكمة، وضعف سببنا إلى المعرفة؛ ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا، ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجربتنا لما تدركه حواسنا وتشاهده نفوسنا، لقد قلت المعرفة، وقصرت الهمة، وانتقضت المنة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر فاسدا، ولكل الحد، وتبلد العقل. وأكثر من كتبهم نفعا، وأشرف منها خطرا، وأحسن موقعا، كتب الله تعالى التي فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة. وما زالت كتب الله تعالى في الألواح والصحف والمهارق
64
والمصاحف، فقد قال الله عز وجل:
الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ، وقال:
ما فرطنا في الكتاب من شيء . ويقال لأهل التوراة والإنجيل: أهل الكتاب. وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا. على أنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا، فيما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، وما يمنع الناصر للحق من القيام بما يلزمه، وقد أمكن القول، وصلح الدهر، وهوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم. والإنسان ليس يجد في كل حال إنسانا يدرسه ومقوما يثقفه، والصبر على إفهام الريض شديد، وصرف النفس عن مغالبة العالم أشد منه هما.
والمتعلم يجد في كل مكان الكتاب عتيدا، وبما يحتاج إليه قائما. وما أكثر من فرط في التعلم أيام خمول ذكره وأيام حداثة سنه. ولولا جياد الكتب وحسنها، ومبينها ومختصرها، لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم، ونازعت إلى حب الأدب، وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشو، ولدخل على هؤلاء من الضرر والمضرة والجهل وسوء الحال ما عسى ألا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير.
ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين سنة، ولا يعد فقيها ولا يجعل قاضيا؛ وما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه باب بعض العمال؛ وبالحرى ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار، أو بلدة من البلدان.
وينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له؛ ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه يغب ويختمر، ولا يثق بالرأي الفطير؛ فإن لابتداء الكتاب فتنة وعجبا، فإذا سكنت الطبيعة وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فيه وتوقف عند فصوله توقف من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب، ويتفهم معنى قول الشاعر:
إن الحديث تغر القوم خلوته
حتى يكون لهم عي وإكثار
ويقف عند قولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسر»، فيخاف أن يعتريه ما يعتري من أجرى فرسه وحده، أو خلا بقلمه عند فقد خصومه وأهل المزية من أهل صناعته. وليعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه؛ فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة؛ لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه فأشاع فيه الحرارة وزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار؛ وكذلك صاحب القلم، فما أكثر من يبتدئ الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. والحفظ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعد.
واعلم أن العاقل إن لم يكن بالمشبع فكثيرا ما يغر من ولده ويحسن في عينه منه القبيح في عين غيره، فليعلم أن لفظه أقرب إليه نسبا من ابنه، وحركته أمس به رحما من ولده؛ لأن حركته شيء أحدثه من نفسه وبذاته، ومن عين جوهره فصلت، ومن نفسه كانت، وإنما الولد كالمخطة يمتخطها؛ وكالنخامة يقذفها، ولا سواء إخراجك من نفسك شيئا لم يكن منك، وإظهارك حركة لم تكن حتى كانت منك؛ ولذلك نجد فتنة الرجل بشعره وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته.