أقبلت أهرب لا آلو مباعدة
في الأرض منهم فلم يحصني الهرب
بقصر أوس فما والت خنادقه
إلى النواويس فالماخور فالخرب
فأيما موئل منها اعتصمت به
فمن ورائي حثيثا منهم الطلب
لما رأيت بأني غير معجزهم
فوتا ولا هربا قربت أحتجب
وصرت في البيت مسرورا به جذلا
جارا لبوءة لا شكوى ولا شغب
فردا تحدثني الموتى وتنطق لي
عن علم ما غاب عني منهم الكتب
هم مؤنسون وألاف غنيت بهم
فليس لي في أنيس غيرهم أرب
لله من جلساء لا جليسهمو
ولا عشيرهمو للسوء مرتقب
لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم
ولا يلاقيه منهم منطق ذرب
أبقوا لنا حكما تبقى منافعها
أخرى الليالي على الأيام وانشعبوا
فأيما أدب منهم مددت يدي
يوما إليه فدان من يدي كثب
إن شئت من محكم الآثار يرفعها
إلى النبي ثقات برة نجب
أو شئت من عرب علما بأولها
في الجاهلية أنبتني به العرب
أو شئت من سير الأملاك من عجم
تنبي وتخبر كيف الرأي والأدب
حتى كأني قد شاهدت عصرهمو
وقد مضت دونه من دهرهم حقب
يا قائلا قصرت في العلم نهيته
أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسب
إن الأوائل قد بانوا بعلمهم
خلاف قولك قد ماتوا وقد ذهبوا
ما مات منا امرؤ أبقى لنا أدبا
يكون منه إذا ما مات يكتسب
وقال أبو وجزة وهو يصف صحيفة كتب له فيها بستين وسقا:
راحت بستين وسقا في حقيبتها
ما حملت حملها الأدنى ولا السددا
ولا رأيت قلوصا قبلها حملت
ستين وسقا ولا جابت بها بلدا
وقال الراجز:
تعلمن أن الدواة والقلم
تبقى ويفني حادث الدهر الغنم
يقول كتابك الذي تكتبه علي يبقى فتأخذني به وتذهب غنمي فيما يذهب. ومما يدل على نفع الكتاب أنه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم، فتكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء.
وذلك مشهور في الحمام الهدي: إذا جعلت بردا قال الله جل وعز، وذكر سليمان وملكه الذي لم يؤت أحدا مثله، فقال:
وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد
إلى قوله:
أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ، فلم يلبث أن قال الهدهد:
وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
قال سليمان:
اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت ومن بعض من عنده علم من الكتاب، فرأى أن الكتاب أبهى وأنبل وأكرم وأفخم من الرسالة عن ظهر لسان وإن أحاط بجميع ما في الكتاب. وقالت ملكة سبأ:
يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ، فهذا مما يدل على قدر اختيار الكتب، وقد يريد بعض الجلة الكبار وبعض الأدباء والحكماء أن يدعو بعض من يجري مجراه في سلطان أو أدب إلى مأدبة أو ندام أو خروج إلى متنزه أو بعض ما يشبه ذلك، فلو شاء أن يبلغه الرسول إرادته ومعناه لأصاب من يحسن الأداء ويصدق في الإبلاغ فيرى أن الكتاب في ذلك أسرى وأنبه وأبلغ، ولو شاء النبي
صلى الله عليه وسلم
ألا يكتب الكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجلندي وإلى العباهلة من حمير وإلى هوذة بن علي وإلى الملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطأ والتبديل، ولكنه - عليه السلام - علم أن الكتاب أشبه بتلك الحال، وأليق بتلك المراتب، وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، ولو شاء الله أن يجعل البشارات على الألسنة بالمرسلين ولم يودعها الكتب لفعل، ولكنه تعالى وعز علم أن ذلك أتم وأكمل، وأجمع وأنبل؛ وقد يكتب بعض من له مرتبة في سلطان أو ديانة إلى بعض من يشاكله أو يجري مجراه، فلا يرضى بالكتاب حتى يخزمه ويختمه، وربما لم يرض بذلك حتى يعنونه ويعظمه.
قال الله جل وعز:
أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى ، فذكر صحف موسى الموجودة وصحف إبراهيم البائدة المعدومة ليعرف الناس مقدار النفع والمصلحة في الكتب. قالوا: وكانت فلاسفة اليونانية تورث البنات العين وتورث البنين الدين؛ وكانت تصل العجز بالكفاية والمئونة بالكلفة، وكانت تقول: لا تورثوا الابن من المال إلا ما يكون عونا له على طلب المال، واغذوه بحلاوة العلم، واطبعوه على تعظيم الحكمة ليصير جمع العلم أغلب عليه من جمع المال، وليرى أنه العدة والعتاد، وأنه أكرم مستفاد. وكانوا يقولون: لا تورثوا الابن من المال إلا ما يسد الخلة، ويكون له عونا على درك الفضول إن كان لا بد من الفضول، فإنه إن كان فاسدا زادت تلك الفضول في فساده، وإن كان صالحا كان فيما أورثتموه من العلم، وبقيتم له من الكفاية ما يكسبه الحال، فإن الحال أفضل من المال، ولأن المال لم يزل تابعا للحال، وقد لا يتبع الحال المال، وصاحب الفضول بعرض فساد وعلى شفا إضاعة مع تمام الحنكة واجتماع القوة؛ فما ظنكم بها مع غرارة الحداثة وسوء الاعتبار وقلة التجربة! وكانوا يقولون: خير ميراث ما كسبك الأركان الأربعة، وأحاط بأصول المنفعة، وعجل لك حلاوة المحبة، وبقى لك الأحدوثة الحسنة، وأعطاك عاجل الخير وآجله، وظاهره وباطنه؛ وليس يجمع ذلك إلا كرام الكتب النفيسة المشتملة على ينابيع العلم، والجامعة لكنوز الأدب ومعرفة الصناعات وفوائد الإرفاق؛ وحجج الدين الذي بصحته وعند وضوح برهانه تسكن النفوس وتثلج الصدور، ويعود القلب معمورا، والعز راسخا، والأصل فسيحا؛ وهذه الكتب هي التي تزيد في العقل وتشحذه، وتداويه وتصلحه، وتهذبه وتنفي الخبث عنه، وتفيدك العلم وتصادق بينك وبين الحجة، وتعودك الأخذ بالثقة وتجلب الحال وتكسب المال. ووراثة الكتب الشريفة والأبواب الرفيعة منبهة للمورث وكنز عند الوارث، إلا أنه كنز لا تجب فيه الزكاة ولا حق السلطان، وإذا كانت الكنوز جامدة ينقصها ما أخذ منها كان ذلك الكنز مائعا يزيده ما أخذ منه، ولا يزال بها المورث مذكورا في الحكماء ومنوها باسمه في الأسماء، وإماما متبوعا، وعلما منصوبا، ولا يزال الوارث محفوظا، ومن أجله محبوبا ممنوعا؛ ولا تزال تلك المحبة نامية ما كانت تلك الفوائد قائمة، ولن تزال فوائدها موجودة ما كانت الدار دار حاجة، ولن يزال من تعظيمها في القلوب أثر ما كان من فوائدها على الناس أثر.