تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما لو أعي كل ما أسمع

وأحفظ من ذاك ما أجمع

ولم أستفد غير ما قد جمع

ت لقيل هو العالم المقنع

ولكن نفسي إلى كل نو

ع من العلم نسمعه تنزع

أشاهد بالعي في مجلسي

وعلمي في البيت مستودع

فلا أنا أحفظ ما قد جمع

ت ولا أنا من جمعه أشبع

ومن يك في علمه هكذا

يكن دهره القهقري يرجع

إذا لم تكن حافظا واعيا

فجمعك للعلم لا ينفع

قال أبو إسحاق: كلف ابن يسير الكتب ما ليس عليها، إن الكتب لا تحيي الموتى، ولا تحول الأحمق عاقلا، ولا البليد ذكيا؛ وذلك أن الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول فالكتب تشحذ وتفتق وترهف وتشفي؛ ومن أراد أن يعلم كل شيء فينبغي لأهله أن يداووه، فإن ذلك إنما تصور له لشيء اعتراه. فمن كان عاقلا ذكيا حافظا فليقصد إلى شيئين أو ثلاثة أشياء: فلا ينزع عن الدرس والمطارحة، ولا يدع أن يمر على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواص ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه؛ ومن كان مع الدرس لا يحفظ شيئا إلا نسي أكثر منه فهو من الحفظ من أفواه الرجال أبعد.

وحدثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى وفي بيت مدرسة كتاب إلا وله فيه ثلاث نسخ.

وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قط ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد إلا اعتقدت أنه أعقل منه وأفضل.

قال أبو عمرو: وقيل لنا يوما: إن في دار فلان ناسا قد اشتملوا على سوءة، وهم جلوس على خميرة لهم وعندهم طنبور. قال: فذمرنا عليهم في جماعة من رجال الحي، فإذا فتى جالس في وسط الدار وإذا أصحابه حوله، وإذا هم بيض اللحى، وإذا هو يقرأ عليهم كتاب شعر، فقال الذي كان سعى بهم: السوءة في ذلك البيت، وإن دخلتموه عثرتم بها. قال: قلت: والله لا أكشف فتى أصحابه شيوخ وفي يده دفتر علم ولو كان في ثوبه دم يحيى بن زكرياء. قال: وأنشد رجل يونس النحوي قوله:

أستودع العلم قرطاسا فضيعه

فبئس مستودع العلم القراطيس

قال: فقال يونس: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وأحسن صيانته له! إن علمك من روحك، ومالك من بدنك، فضعه منك بمكان الروح، وضع مالك بمكان البدن.

وقيل لابن داحة وأخرج كتاب أبي الشمقمق وإذا هو في جلود كوفية ودفتين طائفيتين وبخط عجيب، فقيل له:

62

لقد ضيع درهمه من تجود لشعر أبي الشمقمق. قال: لا جرم والله، إن العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، ولو استطعت أن أودعه سويداء قلبي وأجعله مخطوطا على ناظري لفعلت.

ولقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته، فرأيت السماطين بين يديه والرجال مثولا كأن على رءوسهم الطير، ورأيت فرشته

63

وبزته، ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبه وحواليه الأسفاط والرفوف والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أهيب ولا أجزل منه في ذلك اليوم، إلا أنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السودد الحكمة.

وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس، ونزل مقبرة من المقابر، وكان لا يكاد يرى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة، فقال: لم أر أوعظ من قبر، ولا أمتع من كتاب، ولا أسلم من الوحدة. فقيل له: فقد جاء في الوحدة ما قد جاء. قال: ما أفسدها للجاهل وأصلحها للعاقل!

وضروب من الخطوط بعد ذلك تدل على قدر منفعة الخط، قال الله تبارك وتعالى:

كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون ، وقال الله عز وجل:

في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة ، وقال:

فأما من أوتي كتابه بيمينه ، وقال:

وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ، وقال:

اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .

الترغيب في اصطناع الكتب (وبعد أن تكلم عن الخط في الأرض عند التفكر وما قيل في ذلك من الأشعار، وذكر الخط ومقدار الحاجة إليه، وتاريخ الشعر قبل الإسلام، وبيان أن فضيلته مقصورة على العرب، استطرد القول بالترغيب في اصطناع الكتب) فقال: إن على من شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم ومضارهم ومنافعهم، أن يحتمل ثقل مئونتهم في معرفتهم، وأن يتوخى إرشادهم وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم. ولن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره. على أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع التلاقي يشتد التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط العصبية، وتقوى الحمية؛ وعند المواجهة والمقابلة يشتد حب الغلبة، وشهوة المباهاة والرياسة مع الاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع؛ وعن جميع ذلك تحدث الضغائن ويظهر التباين؛ فإذا كانت القلوب على هذه الصفة وعلى هذه الهيئة، امتنعت من التعرف، وعميت عن موضع الدلالة؛ وليست للكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد بدرسها والمنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله، وقد عدم من له يباهي، ومن أجله يغالب؛ والكتاب قد يفضل صاحبه ويتقدم مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: منها، أن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار؛ وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، والمنازع بالمسألة والجواب؛ ومناقلة اللسان وهدايته لا تجوزان مجلس صاحبه، ومبلغ صوته؛ وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويفنى العقل ويبقى أثره.

عصر المأمون · الصفحة ٤٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٠٦