تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم جعل الله تعالى كل شيء للإنسان خولا وفي يده مذالا ميسرا؛ إما بالاحتيال له، والتلطف في إراغته واستمالته، إما بالصولة عليه والفتك به، وإما أن يأتيه سهوا ورهوا، وعلى أن الإنسان لولا حاجته إليها لما احتال لها، ولما صال عليها، إلا أن الحاجة تفترق في الجنس والجهة، وفي الحظ والتقدير، ثم تعبد الإنسان بالفكر فيها، والنظر في أمورها، وبالاعتبار بما يرى، ووصل بين عقولهم، وبين معرفة تلك الحكم الشريفة، وتلك الحاجات اللازمة بالنظر والتفكير، والتنقب والتنقير، والتنبت، والتوقف، ووصل معارفهم بمواقع حاجاتهم إليها، وتشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان عنها، وهو البيان الذي جعله الله تعالى سببا فيما بينهم، ومعبرا عن حقائق حاجاتهم، ومعرفا لمواضع سد الخلة، ودفع الشبهة، ومداواة الحيرة؛ ولأن أكثر الناس عن الناس أفهم منهم عن الأشباح الماثلة، والأجسام الجامدة، والأجرام الساكنة التي لا يتعرف ما فيها من دفائن الحكم وكنوز الأدب، وينابيع العلم، إلا بالعقل اللطيف الثاقب، وبالنظر التام النافذ، وبالأداة الكاملة، وبالأسباب الوافرة، والصبر على مكروه الفكر، والاحتراس من وجوه الخدع، والتحفظ من دواعي الهوينى، ولأن الشكل أفهم عن شكله وأسكن إليه وأصب به، وذلك موجود في أجناس البهائم وضروب السباع، والصبي عن الصبي أفهم وله آلف، وإليه أنزع، وكذلك العالم والعالم، والجاهل والجاهل، وقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام:

ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ؛ لأن الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه بطباعه آنس، وعلى قدر ذلك يكون موقع ما يسمع منه؛ ثم لم يرض من البيان لهم بصنف واحد، بل جمع ذلك ولم يفرق، وكثر ولم يقلل، وأظهر ولم يخف، فجعل أصناف البيان التي بها يتعارفون معانيهم، والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم في أربعة أشياء وفي خصلة خامسة، وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد تكمل بجنسه الذي وضع له، وصرف إليه.

وهذه الخصال الأربع: هي اللفظ والخط والإشارة والعقد، والخصلة الخامسة: ما أوجد من صحة الدلالة، وصدق الشهادة، ووضوح البرهان في الأجرام الجامدة الصامتة، والساكنة الثابتة، التي لا تنبس ولا تفهم، ولا تحس وتتحرك إلا بداخل دخل عليها، أو عند ممسك خلى عنها بعد تقييده كان لها؛ ثم قسم الأقسام، ورتب المحسوسات، وحصل الموجودات، فجعل اللفظ للسامع، وجعل الإشارة للناظر، وأشرك بين الناظر واللامس، في معرفة العقد إلا بما فضل الله به نصيب الناظر في ذلك على نصيب اللامس، وجعل الخط دليلا على ما غاب من حوائجه عنه، وسببا موصولا بينه وبين أعوانه، وجعله خازنا لما لا يأمن نسيانه مما قد أحصاه وحفظه، وأتقنه وجمعه، وتكلف الإحاطة به، ولم يجعل للشام والذائق في ذلك نصيبا.

ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير البسيط، ولبطلت معرفة التضاعيف، ولعدموا الإحاطة بالباورات، وباورات الباورات، ولو أدركوا ذلك لما أدركوه إلا بعد أن تغلظ المئونة، وتنتقص المنة، ولصاروا إلى حال معجزة وحسور، وإلى حال مضيعة وكلال حد، مع التشاغل بأمور لولا فقد هذه الآلة لكان أربح لهم، وأرد عليهم أن يصرفوا ذلك الشغل في أبواب منافع الدين والدنيا؛ ونفع الحساب معلوم، والخلة في موضع فقده معروفة، قال الله تعالى:

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان ، ثم قال:

الشمس والقمر بحسبان ، وبالبيان عرف الناس القرآن، قال الله تبارك وتعالى:

هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ، فأجرى الحساب مجرى البيان، وألحق البيان بالقرآن، وبحسبان منازل القمر عرفنا حالات المد والجزر، وكيف تكون الزيادة في الأهلة وأنصاف الشهور، وكيف يكون النقصان في خلال ذلك، وكيف تلك المراتب وتلك الأقدار.

عصر المأمون · الصفحة ٤٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٠٢