تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال آخر وهو صالح بن عبد القدوس:

وإن من أدبته في الصبا

كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا أخضرا

بعد الذي أبصرت من يبسه

وقال آخر:

يقوم من ميل الغلام المؤدب

ولا ينفع التأديب والرأس أشبب

وقال آخر:

أدبت عرسي بعد ما هرمت

ومن العناء رياضة الهرم

وقد قال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدل كلاما بكلام.

وعبت الكتاب ولا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ولا أقل خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا أبعد من عضيهة، ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ولا أقل صلفا وتكلفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك شغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتل، من كتاب؛ ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أخف مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل إبان من كتاب؛ ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القديمة، والتجارب الحكيمة، ومن الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع لك الكتاب.

وقد قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام:

اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم . وصف نفسه تبارك وتعالى جده بأن علم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم، واعتد ذلك في نعمه العظام، وفي أياديه الجسام، وقد قالت: القلم أحد اللسانين. وقالوا: كل من عرف فضل النعمة في بيان اللسان كان بفضل النعمة في بيان القلم أعرف؛ ثم جعل هذا الأمر قرآنا، ثم جعله في أول التنزيل، ومستفتح الكتاب، ثم اعلم - يرحمك الله تعالى - أن حاجة بعض الناس إلى بعض صفة لازمة لطبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم، وثابتة لا تزايلهم، ومحيطة بجماعتهم، مشتملة على أدانيهم وأقاصيهم، وحاجتهم إلى ما غاب عنهم، مما يعيشهم ويحييهم، ويأخذ بأرماقهم، ويصلح بالهم، ويجمع شملهم، وإلى التعاون على درك ذلك، والتوازر عليه كحاجتهم إلى التعاون على معرفة ما بحضرتهم، والتوازر على ما يحتاجون من الارتفاق في أمورهم التي لم تغب عنهم، فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، واختلال الأدنى إلى معونة الأقصى؛ معان متضمنة، وأسباب متصلة، وحبال متقيدة، وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا كحاجة من كان قبلنا إلى أخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا، ولذلك تقدمت في الكتب البشارات بالرسل، ولم يسخر لهم جميع خلقه إلا وهم يحتاجون إلى الارتفاق بجميع خلقه، وجعل الحاجة حاجتين: إحداهما قوام وقوت، والأخرى لذة وإمتاع، وازدياد في الآلة، وفي كل ما أجذل النفوس، وجمع لهم العتاد، وذلك المقدار من جميع الصنفين وفق لكثرة حاجاتهم وشهواتهم، وعلى قدر اتساع معرفتهم، وبعد غورهم، وعلى قدر احتمال طبع البشرية، وفطرة الإنسانية، ثم لم يقطع الزيادة عنهم إلا لعجز خلقهم عن احتمالها، ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجز إلا بعدم الأعيان، إذا كان العجز صفة من صفات الخلق، ونعتا من نعوت العبيد، ولم يخلق الله تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من سخر له، فأدناهم مسخر لأقصاهم، وأجلهم ميسر لأدقهم، وعلى ذلك أحوج الملوك إلى السوقة في باب، وأحوج السوقة إلى الملوك في باب، وكذلك الغني والفقير، والعبد وسيده.

عصر المأمون · الصفحة ٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٠١