تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا الكتب المدونة، والأخبار المخلدة، والحكم المخطوطة التي تحصر الحساب وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع؛ إذ كنا قد علمنا أن مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم وأواجلها لا يبلغ من ذلك مبلغا مذكورا، ولا يغني فيه غناء محمودا، ولو كلف عامة من يطلب العلم، ويصطنع الكتب، ألا يزال حافظا لفهرس كتبه لأعجزه ذلك، ولكلف شططا، ولشغله ذلك عن كثير مما هو أولى به؛ ففهمك لمعاني كلام الناس ينقطع قبل انقطاع فهم عين الصوت مجردا، وأبعد فهمك لصوت صاحبك ومعاملك، والمعاون لك ما كان صياحا صرفا، وصوتا مصمتا، ونداء خالصا، ولا يكون مع ذلك إلا وهو بعيد من المفاهمة، وعطل من الدلالة، فجعل الله جل وعز اللفظ لأقرب الحاجات، والصوت لأنفس من ذلك قليلا، والكتاب للنازح من الحاجات.

فأما الإشارة فأقرب المفهوم منها رفع الحواجب، وكسر الأجفان، ولي الشفاه، وتحريك الأعناق، وقبض جلدة الوجه؛ وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تجاه عين الناظر، ثم ينقطع عملها، ويدرس أثرها، ويموت ذكرها، وتصير بعد كل شيء فضل عن انتهاء مدة الصوت، ومنتهى الطرف في الحاجة، إلى التفاهم بالخطوط والكتب؛ فأي نفع أعظم، وأي مرفق أعون من الخط، والحال فيه كما ذكرنا!

وليس للعقد حظ الإشارة في بعد الغاية، ولا للاشارة حظ الخط في بعد الغاية، فلذلك وضع الله عز وجل القلم في المكان الرفيع، ونوه بذكره في المنصب الشريف حين قال:

ن والقلم وما يسطرون ، فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم؛ إذ كان اللسان لا يتعاطى شأوه، ولا يشق غباره، ولا يجري في حلبته، ولا يتكلف بعد غايته، ولكن لما كانت حاجات الناس بالحضرة أكثر من حاجاتهم في سائر الأماكن، وكانت الحاجة إلى بيان اللسان حاجة دائمة راكدة، وراهنة ثابتة؛ وكانت الحاجة إلى بيان القلم أمرا يكون في الغيبة وعند النائبة، إلا ما خصت به الدواوين، فإن لسان القلم هناك أبسط، وأثره أعم، فلذلك قدموا اللسان على القلم، فاللسان الآن إنما هو في منافع اليد والمرافق التي فيها، والحاجات التي تبلغها؛ فمن ذلك حظها وقسطها من منافع الإشارة، ثم نصيبها في تقويم القلم، ثم حظها في التصوير، ثم حظها في الصناعات، ثم حظها في العقد، ثم حظها في الدفع عن النفس، ثم حظها في إيصال الطعام والشراب إلى الفم، ثم التوضؤ والامتساح، ثم انتقاد الدنانير والدراهم، ثم لبس الثياب؛ وفي الدفع عن النفس أصناف الرمي، وأصناف الضرب، وأصناف الطعن، ثم الضرب التقن بالعود وتحريك الوتر، ولولا ذلك لبطل الطرب كله أو عامته؛ وكيف لا تكون كذلك ولها ضرب الطبل والدف وتحريك الصفاقتين، وتحريك مخارق خروق المزامير، وما في ذلك من الإطلاق والحبس؛ ولو لم يكن في اليد إلا إمساك العنان والزمام والخطام، لكان ذلك من أعظم الحظوظ.

وقد اضطربوا في الحكم بين العقد والإشارة، ولولا أن مغزانا في هذا الكتاب سوى هذا الباب لقد كان هذا مما أحب أن يعرفه إخواننا وخلطاؤنا، ولا ينبغي لنا أيضا أن نأخذ في هذا الباب من الكلام إلا بعد الفراغ مما هو أولى بنا منه؛ إذ كنت لم تنازعني، ولم تعب كتبي من طريق فضل ما بين العقد والإشارة، ولا في تمييز ما بين اللفظ وبينهما؛ وإنما قصدنا بكلامنا إلى الإخبار عن فضل الكتب.

والكتاب هو الذي قيد على الناس كتب علم الدين، وحساب الدواوين، مع خفة ثقله، وصغر حجمه، صامت ما أسكته، وبليغ إذا استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتدئك في حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والتذمم منه؛ ومن لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبا، ووروده خمسا؛ وإن شئت لزمك لزوم ظلك، فكان منك مكان بعضك.

عصر المأمون · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٠٣