وهذا كتاب موعظة وتعريف، وتفقه وتنبيه، وأراك قد عبته قبل أن تقف على حدوده، وتتفكر في فصوله، وتتذكر آخره بأوله، ومصادره بموارده، وقد غلطك فيه بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لم تعرف معانيه، ومن بطالة لم تدرك غورها، ولم تدر لم اجتلبت ولأي علة تكلفت، وأي معنى أريغ بها، ولأي جد احتمل ذلك الهزل، ولأية رياضة تجشمت تلك البطالة، ولم تدر أن المزاح جد إذا اجتلب لأن يكون علة للجد، وأن البطالة وقار وزمانة إذا تكلفت لتلك العاقبة، ولما قال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه؛ قال أبو شمر: إذا كان لا يصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه فقد صار ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه؛ وذلك مثل كتابنا هذا، لأنا إن حملنا جميع من يتكلف قراءة هذا الكتاب على مر الحق، وصعوبة الجد، وثقل المئونة وحقيقة الوقار، لم يصبر عليه مع طوله إلا من قد تجرد للعلم وفهم معناه، وذاق من ثمرته، واستشعر من عزه، ونال من سروره على حسب ما بورت الطول من الكد، والكثرة من السآمة، وما أكثر من يقاد إلى حظه بالسواجير، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة.
مدح الكتب
ثم ذكر فقرات حسانا في مدح الكتب فقال: ثم لم أرك رضيت بالطعن على كل كتاب لي بعينه، حتى تجاوزت ذلك، إلى أن عبت وضع الكتب كيفما دارت بها الحال، وكيف تصرفت بها الوجوه؛ وقد كنت أعجب من عيبك البعض بلا علم، حتى عبت الكل بلا علم؛ ثم جاوزت ذلك إلى التشنيع، ثم تجاوزت التشنيع إلى نصب الحرب، فعبت الكتاب ونعم الذخر والعدة، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النشوة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل؛ والكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من بوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبناطق أخرس، وببارد حار؛ وفي البارد الحار يقول الحسن بن هانئ:
قل لزهير إذا انتحى وشدا
أقلل أو أكثر فأنت مهدار
سخنت من شدة البرودة حتى
صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي
كذلك الثلج بارد حار
ومن لك بطبيب
58
أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت ممتع؛ ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والخفي والظاهر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده.
وبعد، فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، أو روضة تتقلب في حجر، وناطقا ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء؛ ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأضبط للوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الأميين، ومن الأعراب المعربين، بل من الصبيان قبل اعتراض الأشغال، ومن العميان قبل التمتع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنقص، والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادة وافرة لم تستعب، والطينة لينة فهي أقبل ما تكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يبل جديدها، ولم يفل غربها، ولم تتفرق قواها، وكانت كما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا فارغا فتمكنا
وقال عبدة
59
بن الطبيب:
لا تأمنوا قوما يشب صبيهم
بين القوابل بالعداوة ينشع
هذا مع قولهم: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقال جران العود:
تركن برحلة الروحاء حتى
تنكرت الديار على البصير
كوحي في الحجارة أو وشوم
بأيدي الروم باقية النئور
60
النئور: شيء كان يعمل في الجاهلية مثل الخضرة اليوم.