أقسام البيان
وبعد أن تكلم في تقسيم العالم إلى ثلاثة أقسام، وذكر أقسام الحيوان، قال في أقسام البيان:
ووجدنا الحكمة على ضربين: شيء جعل حكمة وهو لا يعقل الحكمة ولا عاقبة الحكمة، وشيء جعل حكمة وهو يعقل الحكمة وعاقبة الحكمة، فاستوى بدن الشيء العاقل وغير العاقل في جهة الذلالة على أنه حكمة، واختلفا من جهة أن أحدهما دليل لا يستدل، والآخر دليل يستدل، فكل مستدل دليل، وليس كل دليل مستدلا، فشارك كل الحيوان سوى الإنسان جميع الجماد في الدلالة وفي عدم الاستدلال، واجتمع للإنسان بأن كان دليلا مستدلا، ثم جعل للمستدل سبب يدل به على وجوه استدلاله، ووجوه ما نتج له الاستدلال، وسموا ذلك بيانا؛ وجعل ذلك البيان على أربعة أقسام: لفظ وخط وعقد وإشارة، وجعل بيان الدليل الذي لا يستدل تمكينه المستدل من نفسه واقتياده كل من فكر فيه إلى معرفة ما استخزن من البرهان، وحشي من الدلالة، وأودع من عجيب الحكمة؛ فالأجسام الخرس الصامتة ناطقة من جهة الدلالة، ومعربة من جهة صحة الشهادة، على أن الذي فيها من التدبير والحكمة تلوحان لمن استخبرهما، وينطقان لمن استنطقهما كما يخبر الهزال وكمود اللون عن سوء الحال، وكما ينطق السمن والنضرة عن حسن الحال، وقد قال الشاعر:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال آخر:
متى تك في عدو أو صديق
تخبرك العيون عن القلوب
وقد قال العكلي في صدق شمه الذئب، وفي شدة حسه واسترواحه:
يستخبر الريح إذا لم يسمع
بمثل مقراع الصفا الموقع
وقال عنترة وهو يصف نعيب غراب:
حرق الجناح كأن لحيي رأسه
جلمان بالأخبار هش مولع
وقال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا، فموضوع الجسم ونصبته دليل على ما فيه، وداعية إليه ومنبهة عليه، فالجماد الأبكم الأخرس من هذا الوجه قد شارك في البيان الإنسان الحي الناطق؛ فمن جعل أقسام البيان خمسة فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللغة، وشاهد في العقل، فهذا أحد قسمي الحكمة، وأحد معنيي ما استخزنها الله تعالى من الوديعة.
القسمة الأخرى ما أودع صدور صنوف سائر الحيوان من ضروب المعارف، وفطرها على غريب الهدايات، وسخر حناجرها له بضرب النغم الموزونة، والأصوات الملحنة، والمخارج الشجية، والأغاني المطربة، فقد يقال: إن جميع أصواتها معدلة، وموزونة موقعة، ثم الذي سهل لها من الرفق العجيب في الصنعة مما ذلله الله تعالى لمناقيرها وأكفها، وكيف فتح لها من باب المعرفة على قدر ما هيأ لها من الآلة، وكيف أعطى كثيرا منها من الحس اللطيف، والصنعة البديعة عن غير تأديب وتثقيف، وعن غير تقويم وتلقين، وعن غير تدريج وتمرين، فبلغت بعفوها ومقدار قوى فطرتها من البديه والارتجال، ومن الابتداء والاقتضاب، ما لا يقدر عليه حذاق رجال الرأي، وفلاسفة علماء البشر بيد ولا آلة، بل لا يبلغ ذلك من الناس أكملهم خصالا، وأتمهم حلالا، من جهة الارتجال والاقتضاب ولا من جهة التعسف والاقتدار، ولا من جهة التقديم فيه، والتأتي له؛ والترتيب لمقدماته، وتمكين الأسباب المعينة عليه فصار جهد الإنسان الثاقب الحس، الجامع القوى، المتصرف في الوجوه، المتقدم في الأمور، يعجز عن عفو كثير منها، وينظر إذ نظر إلى ضروب ما يجيء منها كما أعطيت العنكبوت، وكما أعطيت السرفة ، وكما علم النحل، بل عرف التنوط من بديع المعرفة، ومن غريب الصنعة في غير ذلك من أصناف الخلق، ثم لم يوجدهم العجز في أنفسهم في أكثر ذلك إلا عما قوى عليه الهمج والخشاش وصغار الحشرات، ثم جعل الإنسان ذا العقل والتمكين، والاستطاعة والتصريف، وذا التكلف والتجربة، وذا التأتي والمنافسة، وصاحب الادخار والمتفقد لشأن العاقبة متى أحسن شيئا كان كل شيء دونه في الغموض عليه أسهل، وجعل سائر الحيوان وإن كان يحسن أحدها ما لا يحسن أحذق الناس متى أحسن شيئا عجيبا لم يمكنه أن يحسن ما هو أقرب منه في الظن، وأسهل منه في الرأي، بل لا يحسن ما هو أقرب منه في الحقيقة؛ فلا الإنسان جعل نفسه كذلك، ولا شيء من الحيوان اختار ذلك، فأحسنت هذه الأجناس بلا تعلم ما يمتنع على الإنسان، وإن تعلم فصار لا يحاوله إذ كان لا يطمع فيه، ولا يحسدها إذ كان لا يأمل اللحاق بها، ثم جعل تعالى وعز هاتين الحكمتين إزاء عيون الناظرين، وتجاه أسماع المعتبرين، ثم حث على التفكير والاعتبار، وعلى الاتعاظ والازدجار، وعلى التعرف والتبين، وعلى التوقف والتذكر، فجعلها مذكرة منبهة، وجعل الفطر تنشئ الخواطر، وتجول بأهلها في المذاهب، ذلك رب العالمين، سبحان الله رب العالمين.