أكلف ذا الخصيين إن كان ظالما
وإن كنت مظلوما وإن كنت شاطنا
خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن
ولا يعدم الإنسي والجن طابنا
فهلا بني ذبيان أمك هابل
رهنت بهيف الريح إن كنت راهنا
إذا قلت قد أفلت من شر حنبص
أتاني بأخرى شره متباطنا
فقد جعلت أكبادنا تجتويكم
كما تجتوي سوق العضاه الكرازنا
ولما قتل لقمان بن عاد ابنته وهي صحر بنت لقمان قال حين قتلها: ألست امرأة؟ وذلك أنه تزوج عدة نساء وكلهن خنه في أنفسهن، فلما قتل أخراهن ونزل من الجبل كان أول من تلقاه صحر ابنته، فوثب عليها فقتلها، وقال وأنت أيضا امرأة؛ وكان قد ابتلي أيضا بأن أخته كانت محمقة، وكذلك كان زوجها، فقالت لإحدى نساء لقمان: هذه ليلة طهري وهي ليلتك، فدعيني أنم في مضجعك، فإن لقمان رجل منجب، فعسى أن يقع علي فأنجب، فوقع على أخته فحملت بلقيم. وفي ذلك قول النمر بن تولب:
لقيم بن لقمان من أخته
فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت
عليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل محكم
57
فجاءت به رجلا محكما
فضربت العرب في ذلك المثل بقتل لقمان بنته صحرا، فقال خفاف بن ندبة في ذلك:
وعباس يدب لي المنايا
وما أذنبت إلا ذنب صحر
وقال في ذلك ابن أذينة :
أتجمع تهياما بليلى إذا نأت
وهجرانها ظلما كما ظلمت صحر
وقال الحارث بن عباد:
قربا مربط النعامة مني
لقحت حرب وائل عن حيال
لم أكن من جناتها علم الل
ه وإني بحرها اليوم صالي
وقال الشاعر - وأظنه ابن المقفع:
فلا تلم المرء في شأنه
فرب ملوم ولم يذنب
وقال آخر:
لعل له عذرا وأنت تلوم
وكم لائم قد لام وهو مليم
وقال بعض العرب في قتل بعض الملوك سنمار الرومي: فإنه لما علا الخورنق، ورأى بنيانا لم ير مثله، ورأى ذلك المستشرف، وخاف إن هو استبقاه أن يموت فيبني مثل ذلك البنيان لملك آخر، فأمر به فرمي من فوق القصر، فقال في ذلك الكلبي في شيء كان بينه وبين بعض الملوك:
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان سبعين حجة
يعلى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم سحوقه
وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
فظن سنمار به كل حبوة
وفاز لديه بالمودة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق
فذاك لعمر الله من أعظم الخطب
وجاء المسلمون يروي خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وآخر عن أول، أنهم لم يختلفوا في عيب قول الحجاج: لآخذن السمي بالسمي والولي بالولي، والجار بالجار. ولم يختلفوا عن لعن شاعرهم حيث يقول:
إذا أخذ البريء بغير جرم
تجنب ما يحاذره السقيم
قال: وقيل لعمرو بن عبيد: إن فلانا لما قدم رجلا ليضرب عنقه فقيل له: إنه مجنون، قال: لولا أن المجنون يلد عاقلا لخليت سبيله. قال: فقال عمرو: وما خلق الله النار إلا بالحق.
ولما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم في وقعة البشر: فص الله عمادك، وأطال سهادك، وأقل رمادك، فوالله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دمي، وأعاليهن ثدي. فقال لمن حوله: لولا أن تلد هذه مثلها لخليت سبيلها! فبلغ ذلك الحسن فقال: إن الجحاف جذوة من نار جهنم. قال وذم رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسمن، فقال عند ذلك الأحنف: رب ملوم لا ذنب له؛ فبهذه السيرة سرت فينا؛ وما أحسن ما قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان:
وإن امرأ يمسي ويصبح سالما
من الناس إلا ما جنى لسعيد
وقلت: وما بال أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، وأرباب النحل، والعلماء بمخارج الملل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظرفاء والملحاء، وكتب الفراغ والخلعاء، وكتب الملاهي والفكاهات، وكتب أصحاب الخصومات والمراء، وكتب أصحاب العصبية، وحمية الجاهلية، حتى كأنهم لا يحاسبون أنفسهم، ولا يوازنون بين ما عليهم ولهم، ولا يخافون تصفح العلماء، ولا لائمة الأدباء وشنف الأكفاء، ومساءة الجلساء؛ فهلا أمسكت - رحمك الله - عن عيبنا، والطعن عليها، وعن المشورة والموعظة، وعن تخويف ما فيه سوء العاقبة إلى أن تبلغ حال العلماء، ومراتب الأكفاء.