تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجن يمينك على شمالك.» وهذا حكم الله جل وعز، وآداب رسوله، والذي أنزل به الكتاب، ودل عليه في حجج العقول.

أخذ البريء بذنب المذنب

ثم قال في أخذ البريء بذنب المذنب: فأما ما قالوا في المثل المضروب: «رمتني بدائها وانسلت.» وأما قول الشعراء وذم الخطباء لمن أخذ إنسانا بذنب غيره، وما ضربوا في ذلك من الأمثال، كقول النابغة حيث يقول في شعره:

وكلفتني ذنب امرئ وتركته

كذي العر يكوى غيره وهو راتع

وكانوا إذا أصاب إبلهم العر كووا السليم ليذهب العر عن السقيم فأسقموا الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم، وكانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف فقئوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقئوا عينه الأخرى، فذلك المفقأ والمعمى اللذان سمعت بهما قال الفرزدق:

غلبتك بالمفقأ والمعمى

49

وبيت المجتبي

50

والخافقات

وكانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين والسواف

51

والغارة، فقال الأول:

فقأت لها عين الفحيل تعيفا

وفيهن رعلاء

52

المسامع والحام

الرعلاء: التي تشق أذنها وتترك مدلاة لكرمها.

وكانوا يقولون في موضع الكفارة والأمنية، كقول الرجل: إذا بلغت إبلي كذا وكذا، وكذلك غنمي ذبحت عند الأوثان كذا وكذا عتيرة، والعتيرة: من نسك الرجبية، والجمع عتائر، والعتائر من الشاء، فإذا بلغت إبل أحدهم أو غنمه ذلك العدد استعمل التأويل وقال : إنما قلت: إني أذبح كذا وكذا شاة، والظباء: شاء، كما أن الغنم شاء، فجعل ذلك القربان كله مما يصيد من الظباء، فلذلك يقول الحارث بن حلزة اليشكري:

عننا باطلا شدوخا

53

كما تع

تر عن حجرة الربيض الظباء

بعد أن قال:

أم علينا جناح كندة أن يغ

م غازيهم ومنا الجزاء

وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء وإما لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار، فقال في ذلك عوف بن الخرع:

تمنت طيىء جهلا وجبنا

وقد خاليتهم فأبوا خلائي

هجوني أن هجوت جبال سلمى

كضرب الثور للبقر الظماء

وقال في ذلك أنس بن مدركة في قتله سليك بن السلكة:

إني وقتلي سليكا ثم أعقله

كالثور يضرب لما عافت البقر

أنفت

54

للمرء إذ تغشى حليلته

وإذ

55

يشد على وجعائها الثفر

56

وقال الهيبان الفهمي:

كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر

وما ذنبه أن عافت الماء باقر

ولما كان الثور أمير البقر، وهي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، سماه باسم أمير النحل.

وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تمسك البقر عن الشرب حتى تهلك؛ وقال في ذلك الأعشى:

وإني وإن كلفتموني وربكم

لأعلم من أمسى أحق وأحوبا

لكالثور والجني يضرب ظهره

وما ذنبه أن عافت الماء مشربا

وما ذنبه أن عافت الماء باقر

وما إن تعاف الماء إلا لتضربا

كأنه قال: إذ كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب؛ وقال يحيى بن منصور الذهلي في ذلك:

لكالثور والجني يضرب وجهه

وما ذنبه إن كانت الجن ظالمه

وقال نهشل بن جري:

أتترك عارض وبنو عدي

وتغرم دارم وهم براء

كدأب الثور يضرب بالهراوى

إذا ما عافت البقر الظماء

وكيف تكلف الشعرى سهيلا

وبينهما الكواكب والسماء

وقال أبو نويرة بن حصين حين أخذه الحكم بن أيوب بذنب العطرق:

أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي

ونصحي إذا ما بعتني بالمحلق

ولا ساق سراق العرافة صالح

بني ولا كلفت ذنب العطرق

وقال خداش بن زهير حين أخذ بدماء بني محارب:

أكلف قتلى معشر لست منهم

ولا دارهم داري ولا نصرهم نصري

أكلف قتلى العيص عيص شواحط

وذلك أمر لم تشف له قدري

وقال الآخر:

إذا عركت عجل بنا ذنب طيئ

عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل

ولما وجد اليهودي أخا حنبص الضبابي في منزله فخصاه فمات، وأخذ حنبص بني عبس بجناية اليهودي، قال قيس بن زهير: أتأخذنا بذنب غيرنا، وتسألنا العقل، والقاتل يهودي من أهل تيماء؟ قال: والله لو قتله هيف الريح لوديتموه. فقال قيس لبني عبس: الموت في بني ذبيان خير لكم من الحياة في بني عامر. ثم أنشأ يقول:

عصر المأمون · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٩٧