تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبتني بكتاب العباسية، فهلا عبتني بحكاية مقالة من ادعى وجوب الإمامة، ومن يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أن ترك الناس سدى بلا قيم أرد عليهم، وهملا بلا راع أربح لهم، وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل وغنيمة الآجل، وأن تركهم نشرا لا نظام لهم أبعد لهم من المفاسد، وأجمع لهم على المراشد! بل ليس ذلك بك، ولكنه لما بهرك ما سمعت، وملأ صدرك الذي قرأت، وأبعلك وأبطرك، فلم تتجه للحجة وهي لك معرضة، ولم تعرف المقاتل وهي لك بادية، ولم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، ولم تعرف المصادر إذ جهلت الموارد؛ ورأيت أن سب الأولياء أشفى لدائك، وأبلغ في شفاء سقمك؛ ورأيت أن إرسال اللسان أحضر لذة، وأبعد من النصب، ومن إطالة الفكرة، ومن الاختلاف إلى أرباب هذه الصناعة؛ ولو كنت حين فطنت لعجزك وصلت نقصك بتمام غيرك، واستكفيت من هو موقوف على كفاية مثلك، وحبيس على تقويم أشباهك، كان ذلك أزين في العاجل، وأحق بالمثوبة في الآجل، وكنت إن أخطأتك الغنيمة لم تخطئك السلامة، ولقد سلم عليك المخالف، بقدر ما ابتلي به منك الموافق؛ وعلى أنه لم يبتل منك إلا بقدر ما ألزمته من مئونة تثقيفك، والتشاغل بتقويمك؛ وهل كنت في ذلك إلا كما قال العربي: وهل يضر السحاب نبح الكلاب؟ وإلا كما قال الشاعر:

هل يضر البحر أمسى زاخرا

أن رمى فيه غلام بحجر

وهل حالنا في ذلك إلا كما قال الأول:

ما ضر تغلب وائل أهجوتها

أم بلت حيث تناطح البحران

وقال حسان:

ما أبالي أنب بالحزن تيس

أم لحاني بظهر غيب لئيم

وما أشك أنك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطية لك، ووجهت حلمنا عنك إلى الخوف منك، وقد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حق الصفح فجعل العفو سببا إلى سوء القول:

فإن عدت والله الذي فوق عرشه

منحتك مسنون الغرارين أزرقا

فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى

46

وأن يغمس العريض

47

حتى يغرقا

وقال الأول:

وما نفى عنك قوما أنت خائفهم

كمثل وقمك جهالا بجهال

فاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا

ووازن الشر مثقالا بمثقال

وقال الآخر:

وضغائن داويتها بضغائن

حتى يمتن وبالحقود حقودا

وإني وإن لم يكن عندي سنان زفر بن الحارث، ولا معارضة هؤلاء: الشر بالشر، والجهل بالجهل، والحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعودي:

فمسا تراب الأرض منها خلقتما

وفيها المعاد والمصير إلى الحشر

ولا تعجبا أن ترجعا فتسلما

فما حشي الأقوام شرا من الكبر

فلو شئت أدلى فيكما غير واحد

علانية أو قال عندي في ستر

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما

ضحكت

48

له حتى يلج ويستشري

وقال النمر بن تولب:

جزى الله عني حمزة بنة نوفل

جزاء مغل بالأمانة كاذب

بما خبرت عني الوشاة ليكذبوا

علي وقد أوليتها في النوائب

يقول: أخرجت خبري إلى من يشتهي أن أعاب عندها.

ولو شئنا لعارضناك من القول بما هو أقبح أثرا، وأبقى وسما، وأصدق قيلا، وأعدل شاهدا؛ وليس كل من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنه ليس كل من عارض فقد انتصر، وقد قال الشاعر قولا إن فهمته كفيتنا مئونة المعارضة، وكفيت نفسك لزوم العار، وهو قوله:

إن كنت لا ترهب ذمي لما

تعرف من صفحي عن الجاهل

فاخش سكوتي آذنا منصتا

فيك لمسموع خنا القائل

فالسامع الذم مقر به

كالمطعم المأكول للآكل

مقالة السوء إلى أهلها

أسرع من منحدر سائل

ومن دعى الناس إلى ذمه

ذموه بالحق وبالباطل

فلا تهج إن كنت ذا إربة

حزب أخي التجربة العاقل

فإن ذا العقل إذا هجته

هجت به ذا خبل خابل

يبصر في عاجل شداته

عليك غب الضرر الأجل

وقد يقال: إن العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم؛ وقد قال الشاعر:

والعفو عند لبيب القوم موعظة

وبعضه لسفيه القوم تدريب

فإن كنا قد أسأنا في هذا التقريع والتوقيف، فالذي لم يأخذ فينا بحكم القرآن، ولا بأدب الرسول - عليه الصلاة والسلام - ولم يفزع إلى ما في الفطن الصحيحة، أو إلى ما توجبه المقاييس المطردة، والأمثال المضروبة، والأشعار السائرة، أولى بالإساءة، وأحق باللائمة، قال الله جل ثناؤه:

عصر المأمون · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٩٦