41
وكيف تجتلب التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال للودائع، وكيف التسبب إلى الوصايا، وما الذي يوجب لهم التعديل، ويصرف إليهم باب حسن الظن، وكيف ذكرنا غش الصناعات والتجارات، وكيف التسبب إلى تعرف ما قد ستروا، وكشف ما موهوا، وكيف باب الاحتراس منه والسلامة من أهله! وعبتني برسائلي، وبكل ما كتبت به إلى إخواني وخلطائي من مزح وجد، ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن هجاء لا يزال وسمه باقيا، ومديح لا يزال أثره ناميا، ومن ملح تضحك، ومواعظ تبكي؛ وعبتني برسائلي الهاشميات، واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها، وتصويري لها في أحسن صورة، وإظهاري لها في أتم حلية، وزعمت أني قد خرجت من حد المعتزلة إلى حد الزيدية، ومن حد الاعتدال في التشيع والاقتصاد فيه إلى حد السرف والإفراط فيه، وزعمت أن مقالة الزيدية خطبة مقالة الرافضة، ومقالة الرافضة خطبة مقالة الغالية، وزعمت أن في أصل القضية، والذي جرت عليه العادة أن كل كبير فأوله صغير، وأن كل كثير فإنما هو قليل جمع إلى قليل، وأنشدت قول الراجز:
قد يلحق الصغير بالجليل
وإنما القرم من الأفيل
42
وسحق النخل من الفسيل
وأنشدت قول الشاعر:
رب كبير هاجه صغير
وفي البحور تغرق البحور
وقلت وقال يزيد بن الحكم:
واعلم بني فإنه
بالعلم ينتفع العليم
إن الأمور دقيقها
مما يهيج له العظيم
وقلت وقال الآخر:
صار جدا ما مزحت به
رب جد ساقه اللعب
وأنشدت قول الآخر وهو عنترة:
43
ما تنظرون بحق وردة فيكم
تقضى الأمور ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر الكبير صغيره
حتى تظل له الدماء تصبب
وقالت كبشة بنت معد يكرب:
جدعتم بعبد الله آنف قومه
بني مازن أن سب راعي المخزم
وقال الآخر:
أية نار قدح القادح
وأي جد بلغ المازح
وتقول العرب: «العصى من العصية ولا تلد الحية إلا حيية.» وعبت كتابي في خلق القرآن، كما عبت كتابي في الرد على المشبهة؛ وعبت كتابي في أصول الفتيا والأحكام، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن، وغريب تأليفه، وبديع تركيبه؛ وعبت معارضتي الزيدية، وتفضيلي الاعتزال على كل نحلة، كما عبت كتابي في الوعد والوعيد، وكتابي على النصارى واليهود؛ ثم عبت جملة كتبي في المعرفة، والتمست تهجينها بكل حيلة، وصغرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ناسخيها والمنتفعين بها.
وعبت كتاب الجوابات وكتاب الرسائل، وكتاب الرد على أصحاب الإلهام، وكتاب الحجة في تثبيت نبوة النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكتاب الأخبار؛ ثم عبت كتابي إنكاري بصيرة غنام المرتد، وبصيرة كل جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتزام الغمر
44
وبين استبصار المحق؛ وعبت كتاب الرد على الجهمية في الإدراك، وفي قولهم في الجهالات، وكتاب الفرق ما بين النبي والمتنبي، والفرق بين الحيل والمخاريق، وبين الحقائق الظاهرة والأعلام القاهرة؛ ثم قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير لقدره، والتهجين لنظمه، والاعتراض على لفظه ، والتحقير لمعانيه فزريت على نحته وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه، ثم طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، والغاية التي إليها أجرينا،
45
وهنا كتاب معناه أنبه من اسمه، وحقيقته آنق من لفظه، هو كتاب يحتاج إليه المتوسط العامي، كما يحتاج إليه العالم الخاصي، ويحتاج إليه الريض، كما يحتاج إليه الحاذق.
أما الريض فللتعلم والدربة، وللترتيب والرياضة، وللتمرين وتمكين العادة، إذ كان جليله يتقدم دقيقه، وإذ كانت مقدماته مرتبة، وطبقات معانيه منزلة؛ وأما الحاذق فلكفاية المئونة، ولأن كل من التقط كتابا جامعا، وبابا من أمهات العلم مجموعا كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأولين والحسدة، ومتى ظفر بمثله صاحب علم، أو هجم عليه طالب فقه، وهو وادع رافه، ونشيط جام، ومؤلفه متعب مكدود، فقد كفي مئونة جمعه، وخزنه وتتبعه، وطلبه، وأغناه ذلك عن طول التفكير، واستنفاد العمر، وفل الحد، وأدرك أقصى حاجته، وهو مجتمع القوة، وعلى أن له عند ذلك أن يجعل هجومه عليه ضربا من التوفيق، وظفره به بابا من التسديد. (وهذا كتاب) تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم؛ لأنه وإن كان عربيا أعرابيا، وإسلاميا جماعيا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة وإحساس الغريزة، ويشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو كما يشتهيه الجدي ذو الحزم، ويشتهيه الغفل كما يشتهيه الأديب، ويشتهيه الغبي كما يشتهيه الفطن؛ وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية وأنت تسمعتني أقول في أول كتابي: وقالت العثمانية والضرارية، وكما سمعتني أقول: وقالت الرافضة والزيدية؛ فحكمت علي بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فهلا حكمت علي بالتشيع لحكايتي قول الرافضة، وهلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة، وقد حكينا في كتابنا قول الإباضية والصفرية، كما حكينا أقاويل الأزارقة والنجدية، وعلى هذه الأركان الأربعة بنيت الخارجية، وكل اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة واشتقاق منها، ومحمول عليها، فهلا كنا عندك من المحكمة الخارجة، كما صرنا عندك من الضرارية والناصبة! وكيف رضيت بأن تكون الشيعة إلى أعراض الناس أسرع من المارقة! اللهم إلا أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانية والضرارية أشبع وأجمع، وأتم وأحكم وأجود صنعة، وأبعد غاية، ورأيتني قد وهنت حق أوليائك بقدر ما قويت باطل أعدائك، ولو كان ذلك كذلك لكان شاهدك من الكتاب حاضرا، وبرهانك على ما ادعيت واضحا.