تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دفاع الجاحظ عن مؤلفاته

وقد ذكر الجاحظ جل مؤلفاته في كتاب «الحيوان»، ودافع عنها بعد أن وصفها فقال:

39

جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل الطمع، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة. ولعمري لقد كان غير هذا الدعاء أصوب في أمرك، وأدل على مقدار وزنك، وعلى الحال التي وضعت نفسك فيها، ووسمت عرضك بها، ورضيتها لدينك حظا، ولمروءتك شكلا؛ فقد انتهى إلي ميلك على أبي إسحاق، وحملك علي، وطعنك على معبد، وتنقصك له في الذي كان جرى بينهما في مساوي الديك ومحاسنه، وفي ذكر منافع الكلب ومضاره؛ والذي خرجا إليه من استقصاء ذلك وجمعه، ومن تتبعه ونظمه، ومن الموازنة بينهما، والحكم فيهما.

ثم عبتني بكتاب حيل اللصوص، وكتاب غش الصناعات؛ وعبتني بكتاب الملح والطرف، وما حر من النوادر وبرد، وعاد باردها حارا بفرط برده، حتى أمتع بأكثر من أمتاع الحار؛ وعبتني بكتاب احتجاجات البخلاء، ومناقضتهم للسمحاء، والقول في الفرق بين الصدق إذا كان ضارا في العاجل، والكذب إذا كان نافعا في الآجل، ولم جعلنا الصدق أبدا محمودا، والكذب أبدا مذموما، والفرق بين الغيرة وإضاعة الحرمة، وبين الإفراط في الحمية والأنفة، وبين التقصير في حفظ حق الحرمة، وقلة الاكتراث بسوء القالة؛ وهل الغيرة اكتساب وعادة، وبعض ما يعرض من جهة الديانة، ولبعض التزيد فيه والتحسن به، أو يكون ذلك شيئا في طبع الحرية وحقيقة الجوهرية، ما كانت العقول سليمة، والآفات منفية، والأخلاط معتدلة؛ وعبتني بكتاب الصرحاء والهجناء، ومفاخرة السودان والحمران، والموازنة بين حق الخئولة والعمومة؛ وعبتني بكتاب الزرع والنخل، والزيتون والأعناب، وأقسام فضول الصناعات، ومراتب التجارات؛ وبكتاب فضل ما بين الرجال والنساء، وفرق ما بين الذكور والإناث، وفي أي موضع يغلبن ويفضلن، وفي أي موضع يكن المغلوبات والمفضولات، ونصيب أيهما في الولد أوفر، وفي أي موضع يكون حقهن أوجب، وأي عمل هو بهن أليق، وأي صناعة هن فيها أبلغ.

وعبتني بكتاب القحطانية وكتاب العدنانية في الرد على القحطانية، وزعمت أني تجاوزت فيه حد الحمية، إلى حد العصبية، وأني لم أصل إلى تفضيل العدنانية إلا بتنقص القحطانية؛ وعبتني بكتاب العرب والموالي، وزعمت أني بخست الموالي حقوقهم، كما أني أعطيت العرب ما ليس لهم؛ وعبتني بكتاب العرب والعجم، وزعمت أن القول في فرق ما بين العرب والعجم هو القول في فرق ما بين الموالي والعرب، ونسبتني إلى التكرار والترداد، وإلى التكثير والجهل بما في المعاد من الخطل، وحمل الناس المؤن؛ وعبتني بكتاب الأصنام، وبذكر اعتلالات الهند لها، وسبب عبادة العرب إياها، وكيف اختلفا في جهة العلة مع اتفاقهما على جملة الديانة، وكيف صار عباد البددة

40

والمتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة، والأصنام المنجورة، أشد الناس إلفا لما دانوا به، وشغفا بما تعبدوا له، وأظهرهم جدا، وأشدهم على من خالفهم ضغنا، وبما دانوا صبابة وعجبا، وما الفرق بين البد والوثن، وما الفرق بين الوثن والصنم، وما الفرق بين الدمية والجثة، ولم صوروا في محاريبهم وبيوت عباداتهم صور عظمائهم ورجال دعوتهم، ولم تأنقوا في التصوير، وتجردوا في إقامة التركيب، وبالغوا في التحسين والتفخيم، وكيف كانت أولية تلك العبادات، وكيف افترقت تلك النحل، ومن أي شيء كانت خدع تلك السدنة، وكيف لم يزالوا أكثر الأصناف عددا، وكيف شمل ذلك المذهب الأجناس المختلفة!

وعبتني بكتاب المعادن، والقول في جواهر الأرض، وفي اختلاف أجناس الفلز، والإخبار عن ذائبها وجامدها، ومخلوقها ومصنوعها، وكيف يسرع الانقلاب إلى بعضها ويبطئ عن بعضها، وكيف صار بعض الألوان يصبغ ولا ينصبغ، وبعضها ينصبغ ولا يصبغ، وبعضها يصبغ وينصبغ، وما القول في الإكسير والتلطيف؛ وعبتني بكتاب فرق ما بين هاشم وعبد شمس، وبكتاب فرق ما بين الجن والإنس، وفرق ما بين الملائكة والجن، وكيف القول في معرفة الهدهد واستطاعة العفريت، وفي الذي كان عنده علم من الكتاب، وما ذلك العلم، وما تأويل قولهم: كان عنده اسم الله الأعظم؛ وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضات، وما القول في الأرزاق والإنفاقات، وكيف أسباب التثمير والترقيح

عصر المأمون · الصفحة ٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٩٤