تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم
ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل
وخلط إذا لاقيت يوما مخلطا
يخلط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله
كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
فبقيت - أبقاك الله - مثل من أصبح على أوفاز،
38
ومن النقلة على جهاز، لا يسوغ له نعمة، ولا تطعم عينه غمضة، في أهاويل يباكره مكروهها، ويراوحه عقائبها؛ فلو أن الدعاء أجيب، والتضرع سمع، لكانت العدة العظمى، والرجفة الكبرى؛ فليت أي أخي ما أستبطئه من النفخة، ومن فجأة الصيحة، قضي فحان، وأذن به فكان؛ فوالله ما عذبت أمة برجفة، ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية المغايظة المدمنة، والأخبار المهلكة، كأن الزمان يوكل بعذابي، أو ينصب بأيامي، فما عيش من لا يسر بأخ شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره، إلا برؤية من يكرهه، ويغمه بطلعته؛ فقد طالت الغمة، وواظبت الكربة، وادلهمت الظلمة؛ وخمد السراج، وتباطأ الانفراج.
وصف الجاحظ لقريش وبني هاشم
قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها؛ وكيف رأيها وذكاؤها، وكيف سياستها وتدبيرها؛ وكيف إيجازها وتحسيرها، وكيف رجاحة أحلامها إذا خف الحليم، وحدة أذهانها إذا كل الحديد؛ وكيف صبرها عند اللقاء، وثباتها في اللأواء؛ وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر؛ وكيف جودها إذا حب المال؛ وكيف ذكرها لأحاديث غد، وقلة صدودها عن جهة القصد؛ وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه؛ وكيف وصفها له ودعاؤها إليه؛ وكيف سماحة أخلاقها، وصونها لأعراقها؛ وكيف وصلوا قديمهم بحديثهم، وطريفهم بتليدهم؛ وكيف أشبه علانيتهم سرهم، وقولهم فعلهم، وهل سلامة صدر أحدهم إلا على قدر بعد غديره؟! وهل غفلته إلا في وزن صدق ظنه؟! وهل ظنه إلا كيقين غيره؟!
وكتب في الاعتذار
أما بعد، فنعم البديل من الزلة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار، وإن أحق من عطفت عليه بحلمك من لم يستشفع إليك بغيرك، وإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية عفوك، ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك، وقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك.
وله في الاستعطاف
ليس عندي - أعزك الله - سبب ولا أقدر على شفيع، إلا ما طبعك الله عليه من الكرم والرحمة والتأميل، الذي لا يكون إلا من نتاج حسن الظن وإثبات الفضل بحال المأمول. وأرجو أن تكون من الشاكرين فتكون خير معتب، وأكون أفضل شاكر، ولعل الله يجعل هذا الأمر سببا لهذا الإنعام، وهذا الإنعام سببا للانقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم، فيكون لا أعظم بركة، ولا أنمى بقية من ذنب أصبحت فيه، وبمثلك - جعلت فداك - عاد الذنب وسيلة، والسيئة حسنة، ومثلك من انقلب به الشر خيرا والغرم غنما.
من عاقب فقد أخذ حظه، وإنما الأجر في الآخرة، وطيب الذكر في الدنيا، على قدر الاحتمال وتجرع المرائر. وأرجو ألا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك، وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه، وإنما الفضل والثناء العفو عن عظيم الجرم ضعيف الحرمة، وإن كان العفو عظيما مستطرفا من غيركم فهو تلاد فيكم، حتى ربما دعا ذلك كثيرا من الناس إلى مخالفة أمركم، فلا أنتم عن ذلك تنكلون، ولا على سالف إحسانكم تندمون، وما مثلكم إلا كمثل عيسى ابن مريم - عليه السلام - حين كان لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شرا وأسمعهم خيرا، فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم كلما أسمعوك شرا أسمعتهم خيرا؟ فقال: كل امرئ ينفق مما عنده، وليس عندكم إلا الخير ولا في أوعيتكم إلا الرحمة، «وكل إناء بالذي فيه ينضح».
وله في ذم الحسد
الحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، علاجه عسير، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض، وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه فمداويه في عناء، ولذلك قال النبي
صلى الله عليه وسلم : «دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء.» الحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الحلفاء.