37
الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب، وقد نجمت من الموالي ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا، لقول النبي
صلى الله عليه وسلم : «مولى القوم منهم.» ولقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.»
قال: فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا أشرف من العرب، ولما حول ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالي بقديمنا في العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي صار لنا في العرب أشرف من العجم، وللعرب القديم دون الحديث؛ ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة، وقد جعل الله المولى بعد أن كان عجميا عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيا بحلفه، وجعل إسماعيل بعد أن كان أعجميا عربيا ولولا قول النبي
صلى الله عليه وسلم : «إن إسماعيل كان عربيا» ما كان عندنا إلا أعجميا لأن الأعجمي لا يصير عربيا، كما أن العربي لا يصير أعجميا، فإنما علمنا أن إسماعيل صيره الله عربيا بعد أن كان أعجميا، بقول النبي
صلى الله عليه وسلم ، فكذلك حكم قوله: «مولى القوم منهم.» وقوله: «والولاء لحمة.» قالوا: وقد جعل الله إبراهيم - عليه السلام - أبا لمن لم يلد، كما جعله أبا لمن ولد، وجعل أزواج النبي أمهات المؤمنين، ولم يلدن منهم أحدا، وجعل الجار والد من لم يلد في قول غير هذا كثير قد أتينا عليه في موضعه، وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشر من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا فخور (إلا قليل)، وأي شيء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو مقر أنه صار شريفا بعتقك إياه.
وقد كتبت - مد الله في عمرك - كتبا في مفاخرة قحطان، وفي تفضيل عدنان، وفي رد الموالي إلى مكانهم من الفضل والنقص، وإلى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشرف؛ وأرجو أن يكون عدلا بينهم، وداعية إلى صلاحهم، ومنبهة عليهم ولهم؛ وقد أردت أن أرسل بالجزء الأول إليك ثم رأيت ألا يكون إلا بعد استئذانك، واستئمارك، والانتهاء في ذلك إلى رغبتك، فرأيك فيه موفق إن شاء الله عز وجل وبه الثقة.
وكتب إلى بعض إخوانه في ذم الزمان
بسم الله الرحمن الرحيم
حفظك الله حفظ من وفقه للقناعة، واستعمله بالطاعة؛ كتبت إليك وحالي حال من كثفت غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقل عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبة إخائه، لاستحالة زماننا، وفساد أيامنا، ودولة أنذالنا؛ وقدما كان من قدم الحياء على نفسه، وحكم الصدق في قوله، وآثر الحق في أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شئونه، تمت له السلامة، وفاز بوفور حظ العافية، وحمد مغبة مكروه العاقبة؛ فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت دولته؛ فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في الطلب بترك استعمال القحة، وإخلاق العرض من طريق التوكل دليلا على سخافة الرأي، إذ صارت الحظوة البالغة ، والنعمة السابغة، في لؤم المشيئة؛ وسناء الرزق من جهة محاشاة الرخاء، وملابسة معرة العار؛ ثم نظرنا في تعقب المتعقب لقولنا، والكاشر لحجتنا؛ فأقمنا له علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا بينا؛ إذ وجدنا من فيه السفولية الواضحة، والمثالب الفاضحة، والكذب المبرح، والخلف المصرح، والجهالة المفرطة، والركاكة المستخفة، وضعف اليقين والاستثبات، وسرعة الغضب والجراءة، قد استكمل سروره، واعتدلت أموره، وفاز بالسهم الأغلب، والحظ الأوفر، والقدر الرفيع، والجواز الطائع، والأمر النافذ؛ إن زل قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان قيل رؤيا صادقة من نسمة مباركة؛ فهذه حجتنا والله على من زعم أن الجهل يخفض، وأن النوك يردي، وأن الكذب يضر، والخلف يزري؛ ثم نظرنا في الوفاء والأمانة والنبل والبلاغة وحسن المذهب وكمال المروءة وسعة الصدر وقلة الغضب وكرم الطبيعة، والفائق في سعة علمه، والحاكم على نفسه، والغالب لهواه، فوجدنا فلان بن فلان؛ ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه، ولا قام له بوظائف فرضه، ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به؛ فهذا دليل أن الطلاح أجدى من الصلاح، وأن الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه كما كانت الدائرة على ضده؛ ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خدينه؛ ووجدنا الشعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام حيث يقول: