تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

أرفع عنده من رسوله إليهم، باطلا ومسموعا مولدا، واحسب وسم أيدي المسلمين ونقش أيدي المسلمات، وردهم بعد الهجرة إلى قراهم، وقتل الفقهاء، وسب أئمة الهدى، والنصب لعترة رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، لا يكون كفرا؛ كيف تقول في جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة، ولا يصلون أولاهن، حتى تصير الشمس على أعالي الجدران، كالملاء المعصفر، فإن نطق مسلم، خبط بالسيف، وأخذته العمد، وشك بالرماح، وإن قال قائل: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله؟ ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا في طريق التمرد على الله عز وجل، والاستخفاف بالدين، والتهاون بالمسلمين، والابتذال لأهل الحق، أكل أمرائهم الطعام، وشربهم الشراب على منابرهم أيام جمعهم وجموعهم، فعل ذلك حبيش

35

بن دلجة، وطارق مولى عثمان، والحجاج بن يوسف، وغيرهم، وذلك إن كان كفرا كله فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا؛ لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك. كان اختلاف الناس في القدر على أن طائفة تقول كل شيء بقضاء وقدر، وتقول طائفة أخرى كل شيء بقضاء وقدر إلا المعاصي ، ولم يكن أحد يقول إن الله يعذب الأبناء ليغيظ الآباء، وإن الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان، مثل العمى والبصر، وكانت طائفة منهم تقول إن الله يرى، لا تزيد على ذلك، فإن خافت أن يظن بها التشبيه قالت يرى بلا كيف تقززا من التجسيم والتصوير، حتى نبتت هذه النابتة، وتكلمت هذه الرافضة، فقالت جسيما، وجعلت له صورة وحدا، وأكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير! ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن وبين وحجة وبرهان، وأن التوراة غير الزبور، والزبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمران؛ وأن الله تولى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنه لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدله بدله، ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه؛ وأنه أنزله تنزيلا، وأنه فصله تفصيلا، وأنه بالله كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو، غير أن الله مع ذلك كله لم يخلقه؛ فأعطوا جميع صفات الخلق، ومنعوا اسم الخلق.

والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه، فلذا قالوا: خلق كذا وكذا، ولذلك قال:

أحسن الخالقين . وقال:

وتخلقون إفكا

وقال:

وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ، فقالوا: صنعه وجعله وقدره، وأنزله وفصله وأحدثه، ومنعوا خلقه، وليس تأويل خلقه أكثر من قدره، ولو قالوا بدل قولهم: قدره ولم يخلقه خلقه ولم يقدره، ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد؛ والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق، أنه لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق، وليس ذلك يهم، ولكن لما كان الكلام من الله تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف، وإعمال اللسان والشفتين، وما كان على غير هذه الصورة والصفة فليس بكلام، ولما كنا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، وجب أن الله عز وجل لكلامه غير خالق؛ إذ كنا غير خالقين لكلامنا، فإنما قالوا ذلك، لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقروا بذلك بألسنتهم فذلك معناهم وقصدهم.

وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال، إلا ما حكيت لك عن بني أمية، وبني مروان، وعمالهم، ومن لم يدن بإكفارهم حتى نجمت النوابت، وتابعتها هذه العوام، فصار الغالب على هذا القرن الكفر، وهو التشبيه والجبر، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق، وشركاء

36

من كفر منهم بتوليهم، وترك إكفارهم، قال الله عز وجل من قائل:

ومن يتولهم منكم فإنه منهم .

وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقين، ورحمهم وقوى ضعفهم، وكثر قلتهم، حتى صار ولاة أمرنا في هذا الدهر الصعب والزمن الفاسد أشد استبصارا في التشبيه من عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا؛ وصارفوا الناس وقد انتظموا معان

عصر المأمون · الصفحة ٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٩١