تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة؛ كيف تقولون في رمي الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبلة المسلمين؟ فإن قلتم ليس ذلك أرادوا بل إنما أرادوا المتحرز به، والمتحصن بحيطانه، أفما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه، إلى أن يعطى بيده! وأي شيء بقي من رجل، قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه! واحسبوا ما رووا عليه من الأشعار، التي قولها شرك، والتمثل بها كفر، شيئا مصنوعا؛ كيف تصنع بنقر القضيب بين ثنيتي الحسين عليه السلام، وحمل بنات رسول الله

صلى الله عليه وسلم

حواسر على الأقتاب العارية، والإبل الصعاب، والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه! على أنهم إن وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين، بذرارى المشركين؟ وكيف تقول في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصته: دعوني أقتله، فإنه بقية هذا النسل، فأحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة؟!

خبرونا علام تدل هذه القسوة، وهذه الغلظة! بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبوا فيهم؟ أتدل على نصب، وسوء رأي وحقد، وبغضاء ونفاق، وعلى يقين مدخول وإيمان مخروج؟! أم تدل على الإخلاص، وعلى حب النبي

صلى الله عليه وسلم ، والحفظ له، وعلى براءة الساحة وصحة السريرة؟! فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال، وذلك أدنى منازله؛ فالفاسق ملعون، ومن نهى عن نهي الملعون فملعون.

وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أن سب ولاة السوء فتنة، ولعن الجورة بدعة، وإن كانوا يأخذون السمي بالسمي، والولي بالولي، والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وأمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار الغدرة والتهاون بالأمة، والقمع للرعية، وأنهم في غير مداراة ولا تقية، وإن عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضل ممن كف عن شتمهم، والبراءة منهم، على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة، وليس من استحق اسم الكفر بذلك كمن شبه الله بخلقه، وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير،

33

والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زياد وأبيه، ولو ثبت أيضا على يزيد أنه تمثل بقول ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لاستطاروا واستهلوا فرحا

ثم قالوا يا يزيد لا تسل

قد قتلنا الغر من ساداتهم

وعدلناه ببدر فاعتدل

كان تجوير النابتي لربه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأقطع، على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمنا، متعمدا أو متأولا؛ فإذا كان القاتل سلطانا جائرا، أو أميرا عاصيا، لم يستحلوا سبه، ولا خلعه، ولا نفيه، ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء، وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير، وظلم الضعيف، وعطل الحدود والثغور، وشرب الخمور، وأظهر الفجور؛ ثم ما زال الناس يتسكعون مرة، ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم مرة، ويشاركونهم مرة، إلا بقية ممن عصمه الله تعالى ذكره، حتى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجاج بن يوسف، ومولاه يزيد بن أبي مسلم، فأعادوا على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحولوا قبلة واسط، وأخروا صلاة الجمعة، إلى مغيربان الشمس، فإن قال رجل لأحدهم: اتق الله فقد أخرت الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهارا غير ختل، وعلانية غير سر، ولا يعلم القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره؛ فكيف يكفر العبد بشيء ولا يكفر بأعظم منه؟!

وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة، وخوفهم العواقب، وأراهم أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض، حتى قام عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، فزجرا عن ذلك، وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه؛ فاحسب تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا من كل وجه، أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله

عصر المأمون · الصفحة ٣٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٩٠