31
عليه وعلى أزواجه وحرمه وهو جالس في محرابه ومصحفه يلوح في حجره، لن يرى أن موحدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله.
لا جرم لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكل طالبه، وكيف يضيع الله دم وليه، والمنتقم له! وما سمعنا بدم بعد دم يحيى بن زكريا - عليهما السلام - غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، وبلغ كل محبته، كدمه رحمة الله عليه.
ولقد كان لهم في أخذه، وفي إقامته للناس، والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من رباعه، وحدائقه، وسائر أمواله، وفي حبسه بما بقي عليه، وفي طمره حتى لا يحس بذكره، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كل ما قذفوه به، وادعوه عليه، وهذا كله بحضرة جلة المهاجرين والسلف المقدمين، والأنصار والتابعين.
ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتل ومن شاد على عضده، ومن خاذل عن نصرته، والعاجز ناصر بإرادته، ومطيع بحسن نيته، وإنما الشك منا فيه، وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به؛ فأما قاتله، والمعين على دمه، والمريد لذلك منه، فضلال لا شك فيهم، ومراق لا امتراء في حكمهم؛ على أن هذا لم يعد منهم الفجور: إما على سوء تأويل، وإما على تعمد للشقاء، ثم ما زالت الفتن متصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفين، وكيوم النهروان، وقبل ذلك يوم الزابوقة،
32
وفيه أسر ابن حنيف، وقتل حكيم بن جبلة، إلى أن قتل أشقاها علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللعنة؛ إلى أن كان من اعتزال الحسن - عليه السلام - الحروب وتخليته الأمور، عند انتثار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلونهم عليه؛ فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى جماعة المسلمين، من الأنصار والمهاجرين، في العام الذي سموه عام الجماعة، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا، والخلافة غصبا قيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق. ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا، حتى رد قضية رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ردا مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا، في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجتماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا، وأنه إنما كان بها عاهرا. فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار، وليس قتل حجر بن عدي، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع، والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسنن المنصوبة، وسواء في باب ما يستحق من الكفار جحد الكتاب ورد السنة إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشد، فهذه أول كفرة، كانت من الأمة، ثم لم تكن إلا فيمن يدعي إمامتها، والخلافة عليها؛ على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، فقالت: لا تسبوه، فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أن من السنة ترك البراءة، ممن جحد السنة؛ ثم الذي كان من يزيد ابنه، ومن عماله، وأهل نصرته، ثم غزو مكة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين - عليه السلام - في أكثر أهل بيته، مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام، بعد الذي أعطى من نفسه، من تفريق أتباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذهاب في الأرض، حتى لا يحس به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلا قتله، والنزول على حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوه، وخير فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه.