تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما مر بؤس ولا نعيم

إلا ولي فيهما نصيب

فذقت حلوا وذقت مرا

كذاك عيش الفتى ضروب

نوائب الدهر أدبتني

وإنما يوعظ الأديب

قلت: فما الذي بك من سوء الحال؟ قال: أنا رجل كاتب دامت عطلتي، وكثرت عيلتي، وتواصلت محنتي، وقلت حيلتي، فخرجت أطلب تصرفا فقطع علي الطريق فصرت كما ترى، فمشيت على وجهي، فلما لاح لي الزلالي استغثت بك. قلت: فإني قد خرجت إلى متصرف جليل أحتاج فيه إلى جماعة مثلك، وقد أمرت لك بخلعة حسنة تصلح لمثلك وخمسة آلاف درهم تصلح بها أمرك، وتنفذ منها إلى عيالك، وتقوي نفسك بباقيها، وتصير معي إلى عملي فأوليك أجله. فقال: أحسن الله جزاءك، إذن تجدني بحيث أسرك ، ولا أقوم مقام معذر إليك إن شاء الله.

وأمرت بتقبيضه ما رسمت له قبضه، وانحدر إلى الأهواز معي، فجعلته المناظر للرجحي والمحاسب له بحضرتي، والمستخرج لما عليه، فقام بذلك أحسن قيام، وعظمت حاله معي، وعادت نعمته إلى أحسن ما كانت عليه.

وفي عمرو بن مسعدة يقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي:

أعني على بارق ناضب

خفى كوحيك بالحاجب

كأن تألقه في السماء

يدا كاتب أو يدا حاسب

فروى منازل تذكارها

يهيج من شوقك الغالب

غريب يحن لأوطانه

ويبكي على عصره الذاهب

كفاك أبو الفضل عمرو الندى

مطالعة الأمل الكاذب

وصدق الرجاء وحسن الوفاء

لعمرو بن مسعدة الكاتب

عريض الفناء طويل البنا

ء في العز والشرف الثاقب

بنى الملك طود له بيته

وأهل الخلافة من غالب

هو المرتجى لصروف الزمان

ومعتصم الراغب الراهب

جواد بما ملكت كفه

على الضيف والجار والصاحب

بأدم الركاب ووشي الثيا

ب والطرف والطفلة الكاعب

نؤمله لجسام الأمور

ونرجوه للجلل الكارب

خصيب الجناب مطير السحاب

بشيمته لين الجانب

يروي القنا من نحور العدا

ويغرق في الجود كاللاعب

إليك تبدت بأكوارها

حراجيج في مهمه لاحب

كأن نعاما تبارى بنا

بوابل من برد عاصب

يردن ندى كفك المرتجى

ويقضين من حقك الواجب

ولله ما أنت من خابر

بسجل لقوم ومن خارب

فتسقي العدا بكئوس الردى

وتسبق مسألة الطالب

وكم راغب نلته بالعطا

وكم نلت بالعطف من هارب

وتلك الخلائق أعطيتها

وفضل من المانع الواجب

كسبت الثناء وكسب الثنا

ء أفضل مكسبة الكاسب

يقينك يجلو ستور الدجى

وظنك يخبر بالغائب (8) رسائل الجاحظ

رسالته في بني أمية

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ:

27

أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. اعلم - أرشد الله أمرك - أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها، والخروج من جاهليتها، إلى طبقات متفاوتة، ومنازل مختلفة: فالطبقة الأولى عصر النبي

صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وست سنين من خلافة عثمان - رضي الله عنه - كانوا على التوحيد الصحيح، والإخلاص المحض ،

28

مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة، وليس هناك عمل قبيح، ولا بدعة فاحشة، ولا نزع يد من طاعة، ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى كان الذي كان من قتل عثمان - رضي الله عنه - وما انتهك منه، ومن خبطهم إياه بالسلاح، وبعج بطنه بالحراب، وفري أوداجه بالمشاقص، وشدخ هامته بالعمد، مع كفه عن البسط، ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك: من كم وجه يجوز قتل من شهد الشهادة، وصلى القبلة، وأكل الذبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، مع اتقاء نائلة بنت الفرافصة

29

عنه بيدها، حتى أطنوا

30

إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها ليكون ذلك رادعا لهم، وكاسرا من غربهم؛ مع وطئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على المزبلة جسده مجردا بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كفئا لبناته وأياماه وعقائله، بعد السب والتعطيش والحصر الشديد، والمنع من الفوت، مع احتجاجه عليهم وإفحامه لهم؛ ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام، كدم المؤمن، إلا من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل مؤمنا على عمد، أو رجل عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبه؛ ومع اجتماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة، ولا يجهز منها على جريح؛ ثم مع ذلك كله ذمروا

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٨