تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: نعم، كاتب خراج يحتاج أن يكون عالما بالشروط والطسوت والحساب والمساحة والبثوق والفتوق والرتوق، وكاتب أحكام يحتاج أن يكون عالما بالحلال والحرام والاحتجاج والإجماع والأصول والفروع، وكاتب معونة يحتاج أن يكون عالما بالقصاص والحدود والجراحات والمواثبات والسياسات، وكاتب جيش يحتاج أن يكون عالما بحلى الرجال وشيات الدواب ومداراة الأولياء وشيئا من العلم بالنسب والحساب ، وكاتب رسائل يحتاج أن يكون عالما بالصدور والفصول والإطالة والإيجاز وحسن البلاغة والخط. قال: فقلت: إني كاتب رسائل. قال: فأسألك عن بعضها. قلت: قل. فقال لي: أصلحك الله، لو أن رجلا من إخوانك تزوج أمك فأردت أن تكاتبه مهنئا فكيف كنت تكاتبه؟ ففكرت في الحال فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: ما أرى للتهنئة وجها. قال: فكيف تكتب إليه تعزيه؟ ففكرت فلم يخطر ببالي شيء، فقلت: اعفني. قال: قد فعلت، ولكنك لست بكاتب رسائل. قلت: أنا كاتب خراج.

قال: لا بأس، لو أن أمير المؤمنين ولاك ناحية وأمرك فيها بالعدل والإنصاف وتقضي حاجة السلطان فيتظلم إليك بعضهم من مساحيك، وأحضرتهم للنظر بينهم وبين رعيتك، فحلف المساح بالله العظيم لقد أنصفوا وما ظلموا، وحلفت الرعية بالله إنهم لقد جاروا وظلموا، وقالت الرعية: قف معنا على ما مسحوه وانظر من الصادق من الكاذب، فخرجت لتقف عليه، فوقفوا على براح شكله قاتل قثا، كيف كنت تمسحه؟ قلت: كنت آخذ طوله على انعراجه وعرضه ثم أضربه في مثله. قال: إن شكل قاتل قثا أن يكون زاويتاه محدودتين، وفي تحديده تقويس. قلت: فآخذ الوسط فأضربه في العرض. قال: إذن ينثني عليك العمود! فأسكتني، فقلت: ولست كاتب خراج. قال: فإذن ما أنت؟ قلت: أنا كاتب قاض، قال: أرأيت لو أن رجلا توفي وخلف امرأتين حاملتين إحداهما حرة والأخرى سرية، فولدت السرية غلاما والحرة جارية، فعدت الحرة إلى ولد السرية فأخذته، وتركت بدله الجارية فاختصما في ذلك، فكيف الحكم بينهما؟ قلت: لا أدري. قال: فلست بكاتب قاض. قلت: فأنا كاتب جيش. فقال: لا بأس، أرأيت لو أن رجلين جاءا إليك لتحليهما وكل واحد منهما اسمه واسم أبيه كاسم الآخر إلا أن أحدهما مشقوق الشفة العليا، والآخر مشقوق الشفة السفلى، كيف كنت تحليهما؟ قال: قلت: فلان الأفلح وفلان الأعلم. قال: إن رزقهما مختلفان، وكل واحد منهما يجيء في دعوة الأخر؟ قلت: لا أدري. قال: فلست بكاتب جيش. قلت: أنا كاتب معونة. قال: لا تبالي، لو أن رجلين رفعا إليك قد شج أحدهما الآخر شجة موضحة،

26

وشج الآخر شجة مأمونة، كيف كنت تفصل بينهما؟ قلت: لا أدري. قال: لست إذن كاتب معونة، اطلب لنفسك أيها الرجل شغلا غير هذا. قال: فصغرت إلي نفسي وغاظني، فقلت: قد سألت عن هذه الأمور ويجوز ألا يكون عندك جوابها كما لم يكن عندي، فإن كنت عالما بالجواب فقل.

فقال: نعم، أما الذي تزوج أمك فتكتب إليه: أما بعد، فإن الأمور تجري من عند الله بغير محبة عباده ولا اختيارهم، بل هو تعالى يختار لهم ما أحب. وقد بلغني تزويج الوالدة خار الله لك في قبضها، وإن القبور أكرم الأزواج وأستر العيوب والسلام.

وأما براح قاتل قثا، فتمسح العمود حتى إذا صار عددا في يدك ضربته في مثله ومثل ثلثه، فما خرج فهو المساحة.

وأما الجارية والغلام، فيوزن لبن الاثنتين، فأيهما كان أخف فالجارية له.

وأما الجنديان المتفقا الاسمين، فإن كان الشق في الشفة العليا قيل فلان الأعلم، وإذا كان في الشفة السفلى قلت فلان الأفلح.

وأما صاحب الشجتين، فلصاحب الموضحة ثلث الدية، ولصاحب المأمونة نصف الدية.

فلما أجاب بهذه المسائل تعجبت منه وامتحنته بأشياء كثيرة غيرها فوجدته ماهرا في جميعها حاذقا بليغا، فقلت: ألست زعمت أنك حائك؟ فقال: أنا أصلحك الله حائك كلام ولست بحائك نساجة، وأنشأ يقول:

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٧