وقال عبد العزيز بن يحيى المكي الذي ناظر بشر بن غياث المريسي بحضرة أمير المؤمنين في مسألة خلق القرآن:
جاءني خليفة عمرو بن مسعدة ومعه جمع من الفرسان والرجالة فحملني مكرما على دابته حتى صار إلى باب أمير المؤمنين فأوقفني حتى جاء عمرو بن مسعدة، فدخل فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها ثم أذن لي بالدخول عليه، فدخلت، فلما صرت بين يديه أجلسني ثم قال لي: أنت مقيم على ما كنت عليه أو قد رجعت عنه؟ فقلت: بل مقيم على ما كنت، وقد ازددت بتوفيق الله تعالى إياي بصيرة في أمري. فقال لي عمرو بن مسعدة: أيها الرجل، قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به في مخالفة أمير المؤمنين، وادعيت بما لا يثبت لك به حجة على مخالفتك، ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، فانظر لنفسك وبادر أمرك، قبل أن تقع المناظرة وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة ولا يقبل منك معذرة ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين وأسأله الصفح عن جرمك، وعظيم ما كان منك إذا أظهرت الرجوع عنه والندم على ما كان، وآخذ لك الأمان منه والجائزة، فإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله تعالى على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك فيه.
شعره
نقلنا أمثلة قليلة من نثر عمرو بن مسعدة، أما شعره فقليل جدا. ذكر المترجمون له أنه كان له فرس أدهم أغر، لم يكن لأحد مثله فراهة وحسنا. فبلغ المأمون خبره، وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه فلا يكون له فيه محمدة، فوجه به إليه هدية وكتب معه:
يا إماما لا يدا
نيه إذا عد إمام
فضل الناس كما يف
ضل نقصانا تمام
قد بعثنا بجواد
مثله ليس يرام
فرس يزهى به لل
حسن سرج ولجام
دونه الخيل كما مث
لك في الفضل الأنام
وجهه صبح ولكن
سائر الجسم ظلام
والذي يصلح للمو
لى على العبد حرام
وعمرو هو القائل:
ومستعذب للهجر والوصل أعذب
أكاتمه حبي فينأى وأقرب
إذا جدت مني بالرضا جاد بالجفا
ويزعم أني مذنب وهو أذنب
تعلمت ألوان الرضا خوف هجره
وعلمه حبي له كيف يغضب
ولي غير وجه قد عرفت طريقه
ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
ووقع مرة في ظهر رقعة لرجل:
أعزز علي بأمر أنت طالبه
لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده
ولعمرو بن مسعدة حكايات منها ما حكاه القاضي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة:
24
قال عمرو بن مسعدة: كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم حتى إذا نزلت الرقة قال: يا عمرو، ما ترى الرجحى قد احتوى على الأهواز، وهي سلة الخير وجميع المال قبله وطمع فيها، وكتبه متصلة بحملها، وهو يتعلل ويتربص بي الدوائر؟ فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأنفذ من يضطره إلى حمل ما عليه. فقال: ما يقنعني هذا. فقلت: فيأمر أمير المؤمنين بأمره. فقال: فاخرج إليه بنفسك حتى تصفده بالحديد، فتحمله إلى بغداد وتقبض على جميع ما في يده من أموالنا، وتنظر في أعمالنا وترتب لها عمالا. فقلت: السمع والطاعة! فلما كان في غد دخلت عليه فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟ قلت: أنا على ذلك. قال: أتريد أن تجيء في غد مودعا؟ قلت: السمع والطاعة! فلما كان في غد جئته مودعا، فقال: أريد أن تحلف لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا. فاضطربت من ذلك إلى أن حضني واستحلفني ألا أقيم فيها أكثر من ثلاثة أيام، فخرجت حتى قدمت بغداد، فلم أقم بها إلا ثلاثة أيام، وانحدرت في زلالي أريد البصرة وجعل لي في الزلالي خيش، واستكثرت من الثلج لشدة الحر.
فلما صرت بين جرجان
25
وجبل سمعت صوتا من الشاطئ يصيح: يا ملاح! فرفعت سجف الزلالي وإذا بشيخ كبير السن جالس حاسر الرأس حافي القدمين خلق القميص، فقلت للغلام: أجبه. فأجابه، فقال: يا غلام، أنا شيخ كبير السن على هذه الصورة التي ترى، وقد أحرقتني الشمس وكادت تتلفني، وأريد جبل، فاحملوني معكم فإن الله يحسن أجر صاحبكم. قال: فشتمه الملاح وانتهره، فأدركتني رقة عليه وقلت: خذوه معنا. فتقدمنا الشط وصحنا به وحملناه، فلما صار معنا في الزلالي وانحدرنا نتقدم فدفعت إليه قميصا ومنديلا، وغسل وجهه واستراح وكأنه كان ميتا وعاد إلى الدنيا، فحضر وقت الغذاء وتقدمت وقلت للغلام: هاته يأكل معنا. فجاء وقعد على الطعام، فأكل أكل أديب نظيف غير أن الجوع أثر فيه، فلما رفعت المائدة أردت أن يقوم ويغسل يده ناحية كما تفعل العامة في مجالس الخاصة فلم يفعل، فغسلت يدي وتذممت أن آمر بقيامه، فقلت: قدموا له الطشت. فغسل يده، وأردت بعدها أن يقوم لأنام فلم يفعل، فقلت: يا شيخ، أي شيء صناعتك؟ قال: حائك أصلحك الله! فقلت في نفسي: هذه الحياكة علمته سوء الأدب، فتناومت عليه ومددت رجلي فقال: قد سألتني عن صناعتي، وأنت - أعزك الله - ما صناعتك؟ فأكبرت ذلك وقلت: أنا جنيت على نفسي هذه الجناية ولا بد من احتمالها، أتراه الأحمق لا يرى زلالي وغلماني ونعمتي وأن مثلي لا يقال له هذا؟! فقلت: كاتب. فقال: كاتب كامل أم كاتب ناقص فإن الكتاب خمسة، فأيهم أنت؟ فورد علي قول الحائك موردا عظيما، وسمعت كلاما أكبرته وكنت متكئا فجلست، ثم قلت: فصل الخمسة.