تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما قرأ المأمون الرفعة دعا عمرا فجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز المراد. فقال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل، وسماجة الإغفال.

وهذا مما يدل على سعة عقل المأمون وولوعه بالبلاغة وقدره أهلها حق قدرهم، دع ما هنالك من نفس ما أحبت إلا الجود والعطاء.

ومن حكم عمرو بن مسعدة:

العبودية عبودية الإخاء، لا عبودية الرق. الود أعطف من الرحم. إن الكريم ليرعى من المعرفة ما رعى الوصل من القرابة. عليكم بالإخوان فإنهم زينة في الرخاء، وعدة للبلاء. مثل الإخوان مثل النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار. النفس بالصديق، آنس منها بالعشيق، وغزل المودة، أرق من غزل الصبابة. من حقوق المودة، عفو الإخوان، والإغضاء عن تقصير إن كان. ذكر رجل رجلا فقال: حسبك أنه خلق كما تشتهي إخوانه. المودة قرابة مستفادة. ما تواصل اثنان فدام تواصلهما، إلا لفضلهما أو فضل أحدهما. أسرع الأشياء انقطاعا مودة الأشرار. المحروم من حرم صالحي الإخوان. لقاء الخليل شفاء الغليل. قلة الزيارة، أمان من الملالة. إخوان السوء كشجر النار يحرق بعضه بعضا. علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا يبتدئ بالكتاب. لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له. من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندما. إذا قدمت الحرمة، تشبهت بالقرابة. العتاب حياة المودة. ظاهر العتاب خير من باطن الحقد. ما أكثر من يعاتب لطلب علة، ويبقى الود ما بقي العتاب. كمون الحقد في الفؤاد ككمون النار في الزناد. القريب بعيد بعداوته، والبعيد قريب بمودته. لا تأمنن عدوك وإن كان مقهورا، واحذره وإن كان مفقودا، فإن حد السيف فيه وإن كان مغمودا. لا تتعرض لعدوك في دولته، فإنها إذا زالت كفتك مئونته. نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.

روى البيهقي قال: أخبرنا بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون يوما وقد خرج من باب البستان ببغداد فصاح به رجل بصري: يا أمير المؤمنين، إني تزوجت بامرأة من آل زياد، وإن أبا الرازي فرق بيننا وقال: هي امرأة من قريش! قال: فأمر عمرو بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزيادية وخلعك إياها إذ كانت من قريش؛ فمتى تحاكمت إليك العرب؟ لا أم لك في أنسابها، ومتى وكلتك قريش يا بن اللخناء بأن تلصق بها من ليس منها؟ فخل بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش، إنه لابن سمية بغي عاهرة، لا يفتخر بقرابتها، ولا يتطاول بولادتها. ولئن كان ابن عبيد، لقد باء بأمر عظيم، إذ ادعى إلى غير أبيه، لحظ تعجله، وملك قهره.

وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب لرجل به عناية إلى بعض العمال في قضاء حقه، وأن يختصر كتابه ما أمكنه، حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد، لا زيادة عليه، فكتب عمرو:

كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه، معني بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.

وكتب إلى بعض الرؤساء، وقد تزوجت أمه فساءه ذلك، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها، وذهب عنه ما كان يجده. وقيل: إن هذه الرسالة من إنشاء ابن العميد وهي:

الحمد لله الذي كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة. وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبية، عن الحمية حمية الجاهلية، ثم عرض لجزيل الأجر، من استسلم لواقع قضائه، وعوض جليل الذخر من صبر على نازل بلائه، وهنأك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى صبرك، وألهمك من التسليم لمشيئته، والرضا بقضيته، ما وفقك له من قضاء الواجب في أحد أبويك، ومن عظم حقه عليك، وجعل الله تعالى جده ما تجرعته من أنف، وكظمته من أسف، معدودا فيما يعظم به أجرك، ويجزل عليه ذخرك، وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها، المنتظر من ارتماضك بدفنها، فتستوفي بها المصيبة، وتستكمل عنها المثوبة، فوصل الله لسيدي ما استشعره من الصبر على عرسها، بما يكتسبه من الصبر على نفسها، وعوضه من أسرة فرشها، أعواد نعشها، وجعل تعالى جده ما ينعم به عليه بعدها من نعمة، معرى من نقمة، وما يوليه بعد قبضها من منحة، مبرأ من محنة، فأحكام الله تعالى جده وتقدست أسماؤه، جارية على غير مراد المخلوقين، لكنه تعالى يختار لعباده المؤمنين ما هو خير لهم في العاجلة، وأبقى لهم في الآجلة، اختار الله لك في قبضها إليه، وقدومها عليه، ما هو أنفع لها، وأولى بها، وجعل القبر، كفؤا لها، والسلام.

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٥