تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخلة حر لا يقوم بها مالي

فوا حسرتي حتى متى القلب موجع

لنفر خليل أو تعذر إفضال

وما الفضل إلا أن تجود بنائل

وإلا لقاء الخل ذي الخلق العالي

وهو القائل:

إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي

من أن يراني غنيا عنه بالياس

لا أطلب المال كي أغنى بفضلته

ما كان مطلبه فقرا من الناس (7) عمرو بن مسعدة

كان كاتبا بليغا، جزل العبارة وجيزها، سديد المقاصد، فضله شائع، ونبله ذائع؛ أشهر من أن ينبه عليه، أو يدل بالوصف إليه؛ قد ولي للمأمون الأعمال الجليلة، وألحق بذوي المراتب النبيلة.

18

وسماه بعض الشعراء وزيرا لعظم منزلته لا لأنه كان وزيرا، وهو قوله:

لقد أسعد الله الوزير ابن مسعده

وبث له في الناس شكر ومحمده

فهو كما كتب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضي - وقد احتاج إلى رجل يوليه بعض الأعمال - فقال: إنه يريد رجلا جامعا لخصال الخير، ذا عفة ونزاهة طعمة؛

19

قد هذبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ

20

فيه، له سن مع أدب ولسان، تعقده الرزانة، ويسكته الحلم، قد فر

21

عن ذكاء وفطنة، وعض

22

على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام في أمور فحمد فيها، له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعا بما استنهض، مستقلا بما حمل.

ومن كلام عمرو بن مسعدة:

أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بموت العدل في دولته، وظهور الحجة في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته في حياته، وأسعد الرعاة من دامت سعادة الحق في أيامه، وبعد وفاته وانقراضه.

وقال: الخط صور الكتب، ترد إليها أرواحها.

وقال: الخط صورة ضئيلة لها معان جليلة، وربما ضاق عن العيون، وقد ملأ أخطار الفنون.

وقال: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك، أكثر من إمتاعه لك بشكر لسانه وفوائد علمه، ومن كانت غايته الاحتيال على مالك وإطراءك في وجهك، فإن هذا لا يكون إلا رديء الغيب، سريعا إلى الذم.

وكتب إلى الحسن بن سهل:

أما بعد، فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، ليستتم تشييد أسسه، ويجتني ثمار غرسه، وثناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك مشف على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست، وسقي ما غرست إن شاء الله.

وكتب إلى بعض أصحابه في شخص يعز عليه:

أما بعد، فموصل كتابي إليك سالم والسلام. أراد قول الشاعر:

يديرونني عن سالم وأديرهم

وجلدة بين العين والأنف سالم

أي يحل مني هذا المحل.

وكتب إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع له بالزيادة في منزلته وجعل كتابه تعريضا:

أما بعد، فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك علي، في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به، وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته، والسلام.

فكتب إليه المأمون: «قد عرفنا توطئتك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووافقناك عليهما.» وقوله: «إن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته»، من الكلام السري الذي يدل على مبلغ عمرو وبعد غوره في السياسة ووقوفه على روح عصره ونفسية الخلفاء.

قدم رجل من أبناء دهاقين

23

قريش، على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على الرجل انتظار خروج أمر المأمون، فقال لعمرو بن مسعدة: توصل مني رقعة إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها تكن لك علي نعمتان. فكتب: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته، أو يأذن له بالانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله.»

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٤