تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبتموني بأن قلت: بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال الملوك، وأن الحفظ للمال المكتسب والغنى المجتلب، وإلى من لا يعرض فيه بذهاب الدين واهتضام العرض ونصب البدن واهتمام القلب أسرع، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أوذن بالفقر وطاب نفسا بالذل.

وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، وإن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وإن الطيب يدعو إلى الطيب، وإن الإنفاق في الهوى حجاب دون الهدى؛ فعبتم علي هذا القول، وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جنبه حق مضيع. وقد قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله فانظروا فيماذا ينفقه؛ فإن الخبيث إنما ينفق في السرف. وقلت لكم بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم وأنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات: فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلا إلى نفسه. فاحذروا النقم باختلاف الأمكنة؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع.

وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في العبد والأمة والشاة والبعير: فرقوا بين المنايا. وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون بأموالكم؟ قالوا: نفرقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض. ولولا أن السلامة أكثر ما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناع.

16

وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا وللمال لنزوة،

17

فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله.

فعبتموني بذلك وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غني أمن الفقر، وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر. وقد قال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك:

وهوب تلاد المال فيما ينوبه

منوع إذا ما منعه كان أحزما

وعبتموني حين زعمتم أني أقدم المال على العلم، لأن المال به يفاد العلم وبه تقوم النفس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل والأصل أحق بالتفضيل من الفرع، فقلتم: كيف هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء. قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر ما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال وجهل الأغنياء بحق العلم. فقلت: حالهما هي القاضية بينهما. وكيف يستوي شيء حاجة العامة إليه وشيء يغني فيه بعضهم عن بعض!

وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال أبو بكر رضي الله عنه: إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد. وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله لك الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض.

وعبتموني حين قلت: فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت إذا احتيج إليها استعملت وإن استغني عنها كانت عدة. وقد قال الحصين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء. قيل له: فما كنت تصنع به؟ قال: لكثرة من كان يخدمني عليه؛ لأن المال مخدوم. وقد قال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى؛ فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب عدوك، لكان الحظ فيه جسيما والنفع فيه عظيما.

ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب اللهو؛ ولستم علي تردون ولا رأيي تفندون، فقدموا النظر قبل العزم، وأدركوا مالكم قبل أن تدركوا مآلكم، والسلام عليكم.

وسهل هو القائل:

تقسمني همان قد كسفا بالي

وقد تركا قلبي محلة بلبال

هما أذريا دمعي ولم تذر عبرتي

رهينة خد ذات سمط وخلخال

ولا قهوة لم يبق منها سوى الذي

على أن تحاكي النور في رأس ذيال

تحلل منها جرمها وتماسكت

لها نفس معدوم على الزمن الخالي

ولكنما أبكي بعين سخية

على حدث تبكي له عين أمثالي

فراق خليل لا يقوم به الأسى

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٣