تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتب في البخل:

بسم الله الرحمن الرحيم

أصلح الله أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله. قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيابا؛ فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب. ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب. وقبيح أن تنهى مرشدا وأن تغرى بمشفق. وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإصلاح فاسدكم، وإبقاء النعمة عليكم. وما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم. وقد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم، ولأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه:

وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، فما كان أحقنا منكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم؛ فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم. ولو كان ذكر العيوب يراد به فخر لرأينا في أنفسنا من ذلك شغلا.

عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين فهو أطيب لطعمه وأزيد في ريعه.

9

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أملكوا العجين

10

فإنه أحد الربعين.

وعبتموني حين ختمت على ما فيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نقية ومن رطبة غريبة على عبد نهم وصبي جشع وأمة لكعاء

11

وزوجة مضيعة.

وعبتموني بالختم وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق

12

وعلى كيس فارغ. وقال: طينة خير من طية، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء.

وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق.

وعبتموني بخصف النعل

13

وبتصدير القميص،

14

وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالشد، وأن الترقيع من الحزم والتفريط من التضييع، وقد كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يخصف نعله ويرقع ثوبه ويقول: لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت. وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق. وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا فقال له: أكنت به ذا معرفة ؟ قال: لا، ولكني رأيته في يوم قائظ يلبس خلقا ويلبس الناس جديدا، فتفرست فيه العقل والأدب. وقد علمت أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه. وقد جعل الله لكل شيء قدرا وسما به موضعا كما جعل لكل زمان رجالا ولكل مقام مقالا. وقد أحيا الله بالسم وأمات بالدواء وأغص بالماء. وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين. وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، وأمر مالك بن أنس بفرك النعل. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة. ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية. وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي إليك دجاجة. فقال: إن كان لا بد فاجعلها بيوضا.

وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي. ولقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية وأشد من الكفاية، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء وإلى التوفير عليها من وضيعة

15

الماء وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء، فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوله، ولكان نصيب الأول كنصيب الآخر، فعبتموني بذاك وشنعتم علي؛ وقد قال الحسن وذكر السرف: أما إنه ليكون في الماء والكلأ، فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه الكلأ.

وعبتموني أن قلت: لا يغترن أحدكم بطول عمره وتقويس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته، فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه، فلعله يكون معمرا وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد على اليأس ويحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه عقل، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أصعب ما كان عليه الطلب وأقبح ما كان به أن يطلب، فعبتموني بذلك؛ وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.

عصر المأمون · الصفحة ٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٨٢