وقال المسعودي: يزيد عليه - أي على كليلة ودمنة - في حسن نظمه، وقد صنفه للمأمون. ومن تآليفه: كتاب الهزلية والمخزومي، كتاب الوامق والعذراء، إلى غير ذلك من المصنفات التي لم تبق الأيام - ويا للأسف! - على واحد منها فيما علمنا.
دخل سهل على الرشيد وهو يضاحك المأمون؛ فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون في كل يوم من أيامه مربيا على أمسه، مقصرا عن غده. فقال الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لا يعجزه القول؟ فقال سهل: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن أحدا تقدمني إلى هذا المعنى. قال: بل أعشى همدان حيث يقول:
رأيتك أمس خير بني لؤي
وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الخير ضعفا
كذاك تزيد سادة عبد شمس
وقد شهد مقتل البرامكة في سنة 187ه، وحدث فيما كان عليه يحيى وجعفر من البلاغة فقال: إن سجاعي الخطب، ومحبري القريض عيال على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد في بديهته وتوقيعاته في كتبه، فدمين عيين، وجاهلين أميين، ولقد عمرت معهم، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض الأنام، ولباب الكرام، وملح الأيام، عشق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاهة نفس، واكتمال خصال، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، والمأثور من خصالهم، كثير أيام من سواهم من لدن آدم أبيهم إلى النفخ في الصور، وابتعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المرسلين، لما باهت إلا بهم، ولا عولت في الفخر إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم، ومعسول مذاقهم، وبهاء إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وتهذيب أغراضهم، واكتمال خلال الخير فيهم، إلى ملء الأرض مثلهم في جنب محاسن المأمون كالنفثة (التفلة) في البحر، والخردلة في المهمه القفر.
قيل: وهذا الكلام على ما فيه من حقيقة في بيان سجايا البرامكة والرشيد والمأمون لم يختتم بالنصفة الحقة، ومال به سهل إلى المصانعة، وخرجه على نحو مبالغة الفرس، في الإطراء والملق لولي الأمر.
وروى بعض الرواة أن المأمون كان استقل سهل بن هارون؛ وقد دخل عليه يوما والناس على مراتبهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ من كلامه أقبل سهل بن هارون على الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ولا تتعجبون، وتتعجبون ولا تنصفون! والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف يعرف بالدواء من لا يشعر بالداء! فرجع المأمون فيه إلى الرأى الأول؛ وعرف أنه الرجل كل الرجل، فقربه وأدناه على النحو الذي كان عليه في عهد والده.
ومن كلام له في كتابه ثعلة وعفرة:
اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدما قبل الذي تجودون به من تفضلكم، فإن تقديم النافلة مع الإبطاء في الفريضة شاهد على وهن العقيدة، وتقصير الروية، ومضر بالتدبير، ومخل بالاختيار، وليس في نفع تحمد به عوض من فساد المروءة، ولزوم النقيصة.
وهذا مأخوذ من قوله في يحيى بن جعفر:
عدو تلاد المال فيما ينوبه
منوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترى
مكاره ما تأتي من العيش مغنما
وكتب إلى صديق له أبل من ضعف:
بلغني خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، والشكاة في حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوله عن السكون لآخره، وتذهل الحيرة في ابتدائه، عن المسرة في انتهائه، وكان تغيري في الحالين بقدرهما ارتياعا للأولى، وارتياحا للأخرى. •••