فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين .
ومن توقيعاته نقلا عن كتاب الصولي:
وقع إلى عامل ظالم: «الحق طريق واضح لمن طلبه، تهديه محجته، ولا تخاف عثرته، وتؤمن في السر مغبته، فلا تستقلن منه ولا تعدلن عنه؛ فقد بالغت في مناصحتك، فلا تحوجني إلى معاودتك، فليس بعد التقدمة إليك إلا سطوة الإنكار عليك.»
ووقع في عناية بإنسان إلى بعض العمال: «أنا بفلان تام العناية، وله شديد الرعاية، وكنت أحب أن يكون ما أرعيته طرفك من أمره في كتابي مستودعا سمعك من خطابي، فلا تعدلن بعنايتك إلى غيره، ولا تمنحن بعقدك سواه حتى تنيله إرادته وتتجاوز به أمنيته إن شاء الله.»
وفي كتاب ابن طيفور من توقيعات أحمد بن يوسف الشيء الكثير، فارجع إليه إن شئت. (6) رسائل سهل بن هارون
8
من كلامه:
حكى الجاحظ قال: لقي رجل سهل بن هارون فقال: هب لي ما لا ضرر به عليك. فقال: وما هو يا أخي؟ قال: درهم. قال: لقد هونت الدرهم وهو طائع الله في أرضه لا يعصي، وهو عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف دية المسلم. ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هونته؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟! فانصرف الرجل، ولولا انصرافه لم يسكت.
وحكى دعبل الخزاعي الشاعر قال: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، وأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع، فدعا بغذائه، فأتي بصحفة فيها مرق تحته ديك هرم، فأخذ كسرة وتفقد ما في الصحفة فلم يجد رأس الديك، فبقي مطرقا، ثم قال للغلام: أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: لم أظنك تأكله! قال: ولم ظننت ذلك؟! فوالله إني لأمقت من يرمي برجله فكيف برأسه! ولو لم أكره ما صنعت إلا للطيرة والفأل لكرهته. أما علمت أن الرأس رئيس يتفاءل به، وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب بصفائها المثل فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجب لوجع الكلية، ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان منه، وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فعندنا من يأكله، أوما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن رأس العنق؟! انظر أين رميته. فقال: والله ما أدري. قال: أنا والله أدري! إنك رميت به والله في بطنك، فالله حسيبك.
ومن مؤلفاته كتاب البخلاء.
ولما صنف سهل كتابه في البخل أهداه إلى الحسن بن سهل واستماحه، فكتب إليه الحسن: قد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم بفساد معناك صلاح لفظك، قد جعلنا ثواب مدحك فيه قبول قولك، فما نعطيك شيئا.
واتهم سهل بن هارون بالبخل وأورد له في ذلك قصص ونوادر، وعده الجاحظ من «متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء» قال: ما علمت أن أحدا جرد في البخل كتابا إلا سهل بن هارون، وأبا عبد الرحمن الثوري، والبخل في الفرس غالب في الجملة، غلبة الكرم على طبائع العرب، فاقتضى ذلك التفريط الذي رآه سهل في تبذير العرب، أن يدلي لقومه بآرائه المفرطة في الاقتصاد والإمساك. وما شوهد قط تفريط إلا وإلى جانبه إفراط.
كتبه وطريقته في التأليف
كان سهل بن هارون منقطع القرين في صنوف العلم والآداب، وناهيك بعالم كبير كالجاحظ كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني، الحسن النظم، فينسبه إلى نفسه فلا يرى الأسماع تصغي إليه، ولا القلوب تيمم نحوه، ثم يؤلف - كما قال عن نفسه - ما هو أنقص منه مرتبة وأقل منه فائدة، فينحله عبد الله بن المقفع، أو سهل بن هارون، فيقبل الناس عليها، ويسارعون إلى نسخها.
ويقال إن طريقة سهل في كتابته طريقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؛ لا يتكلف لكلامه، فلا يشاهد فيه الناقد أثر التعمل، بل لا يكلف بغير إرسال النفس على سجيتها، فهو وابن المقفع والجاحظ على غرار واحد.
وقيل إن سهلا كاتب سلاطين، والجاحظ مؤلف دواوين. وكأن كلامه نغمة موسيقية تعرف انتهاء جملته من رنتها بعد أن ملكت عليك مشاعرك، لا يحفل بالأسجاع إلا إذا جاءت عفو الخاطر، شأن بلغاء الصدر الأول. وكان يقول الشعر، وأكثر شعره مما أملاه قلبه، في غرض من أغراض المجتمع. وعده الجاحظ من الخطباء والشعراء الذين جمعوا الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان المولدة، والأخبار المدونة. ولقبه مرة بالكاتب، ولعل لقب الكاتب في شرفه أكبر من عالم. وذكره ابن النديم في البلغاء وقال: إنه شاعر مقل، وعده في الشعراء الكتاب. وقال: إنه كان ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم هو وعبد الله بن المقفع وعلي بن داود كاتب زبيدة. وشعره خمسون ورقة. أما الدهشة ففي تآليفه، فله ديوان رسائله، وكتاب النمر والثعلب، وكتاب أسباسيوس (أسانوس) في اتخاذ الإخوان، كتاب أسد بن أسد، كتاب سحرة العقل، كتاب تدبير الملك والسياسة، كتاب إلى عيسى بن أبان في القضاء، كتاب الفرس، كتاب الغزالين، كتاب ندود وودود ولدود، كتاب الرياض، كتاب ثعلة وعفراء، (وفي رواية ثعلة وعفرة) على مثال كتاب كليلة ودمنة، قلده في أبوابه وأمثاله.