تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيا أيها الإمام المنصور المهدي الرشيد، حزت فضائل الآباء، واهتديت بهدي الأنبياء، أنشكرك عن الإسلام، فأنت القائم به الداعي له، والناصر لحقه؟ أم نشكرك عن الأمصار، فأنت المفتتح لممتنعها عنوة، والمتطول على أهلها بالرحمة، والمنعطف عليهم بحسن الفائدة بعد ما هيجت منك سورة الغضب، فأطفأت نارها، وأخمدت لهبها، وعدت على من سفه، وأضاع حظه؟ أم نشكرك على المساجد، فأنت الذي أسستها على التقوى، وعمرتها بتلاوة القرآن، وطهرت المنابر وركبتها، تعلوها صائما، وتنطق عليها صادقا، وتدعو إلى الرشد عليها ناصحا، وتختم القرآن قبل أن تبدأها محسنا، وتتلو من قوارعه، ما تصيخ له الأسماع وتلين له القلوب؟ أم نشكرك على البيت العتيق، والركن والمقام، والحجر وزمزم، ومشاعر الحج، وأنت ذببت عنها، وأعدت إليها عهدها، في مبعث نبيها

صلى الله عليه وسلم ، فأمنت النازع إليها، من كل فج عميق، والحالين بها من الركوع والسجود؟

أم نشكرك عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فيما حفظت فيه من عترته، بعفوك عن مجرمهم، ومضاعفتك نواب محسنهم، وإحيائك من أمرهم، ما كان قد اندرس وانطمس، بعد اللقاء بنبي الله

صلى الله عليه وسلم ، وقد راعيت منه في قرابته وقرابتك، وذوي رحمه ورحمك، ما ضيع الناس، ووصلت منهم ما كان وصله؛ إذ كان الله عز وجل قد فرض صلة الأرحام، فكان أطوع خلق الله عز وجل فيما فرض عليه؟ أم نشكرك عن العوام؛ فقد ألبست المسلمين ثوب الأمن، وأذقتهم طعم السعة والرفاهة، وعدلت بينهم بالإنصاف، وتوليت دونهم النصب، وآثرتهم الراحة؟ أم نشكرك عن الملوك والقواد والأجناد؛ فأنت الذي رفعت منازلهم، ووفرت عددهم، فلم يكن في دهر أحد من الخلفاء أسعد ولا أحظى منهم في سلطانك، بما بذلت لهم من المعاون، ووليتهم من الثغور والأمصار، وأدررت عليهم من الأرزاق والخواص؟ أم نشكرك عن الأحكام والسنن؛ فأنت الذي أنهجت سبيلها، فأوجبت فرضها، ونافست في أهلها؟ أم نشكرك عن الأعداء؛ فأنت الذي بدأتهم بالحجة، ودعوتهم إلى الفيئة والإنابة، ثم ثنيت معقبا بالعفو، ونعشتهم بعد البؤس، وآنستهم من الوحشة؟ أم نشكرك على مكارم الأخلاق، وأنت الذي ثبت وطأتها، ونفيت عنها أضدادها، ولو نطقت بالفضل، لنطقت بشكرك، في إزالتك إياها عن اللئام، وإخطائك من اعتزى إليها؟ أم نشكرك عن الثغور؛ فأنت الذي تممتها، وحصنت عوراتها؟ أم نشكرك عن السلف؛ فأنت الذي أشدت بفعالهم، وحفظتهم في أبنائهم؟ أم نشكرك عن برد رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وعن القضيب الذي شخص به، حتى جعلتهما زينتك، وسموت بهما في أعيادك، عند حشدك، على الطهر والزكاة، والنسك والتقوى؟

أم نشكرك عن المسلمين في رعايتك إياهم، وما ترعيهم من جنابك، وتنفي عنهم من الآفات، وتقل عنهم من جبابرة الكفر، وتفض من جيوش الشرك والنكث، وتفتح من الحصون المستصعبة، وتسهل من الطرق الوعرة؟ أم نشكرك عن تواضعك لله عز وجل ولصالح المسلمين طلبا للرفعة عند الله؟ أم نشكرك عن الدين وقد جعلت السلطان عبدا وقائدا ومنفذا، وكان مأمورا فجعلته آمرا، وآلة للقوة فجعلت القوة له آلة؟

فيا من اتصل شكره بشكر الله عز وجل ونعمته بنعمة الله تعالى وطاعته، بطاعة الله فوهب الله لك شرف المنازل، ورقاك درج الفضائل، وجزاك الله عنا وعن غيرنا، مما شكر من ناطق أو صامت، جزيل الثواب ورفيع الدرجات، وأمتعك ما أتاك، وأمتع الأمة ما آتاهم منك، والحمد لله ذي الرغبات، ومتمم الصالحات، شكرا لرب العالمين، فإنه مبلغ طاقتنا، ومنتهى جهدنا، وبه نستعين على تأدية فرائضه، إنه لا يعين على ذلك إلا هو. أحببت أن نشكر إليكم أمير المؤمنين - أيده الله - إذ ورد علي من أنعامه وأفضاله، ما لا أبلغه بالفعل، وأن يكون ما اقتصصنا عليكم، داعيا لكم، إلى أن تشكروه عنا، وعن أنفسكم، وعن الإسلام والمسلمين، ورجوت بما وفقنا الله له، فيما شرحنا وأوضحنا، من الدلالة والبيان أن يكون مجتمعا ينتفع به من حضرنا، ومن عسى أن يؤدى إليه الخبر عنا، أو حدث بعدنا، وضننت بهذه المكرمة الرائعة، والمأثرة البارعة، التي ادخرها الله لأمير المؤمنين، أعز الله نصره، وأفرده بها، دون الأئمة والخلفاء، أن تمر بالأسماع صفحا، وتجتاز على القلوب سهوا، حتى تؤكد بالشواهد والبرهان، ليبقى ذكرها ونفعها في الخلوف والأعقاب، ونحن نسأل الله عز وجل الذي جمع بأمير المؤمنين - مد الله في عمره - ألفتنا، وعلى طاعته أهواءنا وضمائرنا، وأنالنا من الغبطة في دولته وسلطانه، ما لم تحوه شيعة إمام، ولا أنصار خليفة، أن يتم نور أمير المؤمنين، ويعلي كعبه، ويمتعنا ببقائه، حتى يبلغه سؤله وهمته في الاستكثار من البر وادخار الأجر، واستيجاب الحمد والشكر، وأن يلم به الشعث، ويرأب به الصدع، ويصلح على يديه الفساد، ويرتق به فتوق هذه الأمة، ويثخن بسياسته ونكايته في عدوها، ويتابع الفتوح في بلدانهم حتى يؤتيه من نجح السعي، ورغائب الحظ في الدنيا، ما يجزل عليه ثوابه في الآخرة، وأرشد نجباءه وأصفياءه، الذين يقول لهم:

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٩