تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ، وقد قال تعالى:

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ، وقال تعالى:

إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم .

ولولا أن الله عز وجل رضيه لنفسه، لأجللناه عن التسمية؛ إذ كان أكثر ما نستعمله، ونعرفه في مكافأة من من وتطول، ثم ثنى بذكر فضله في العباد، فإن الله تبارك وتعالى افتتح أول ما علم خلقه بالحمد، وجعله بدء كتابه، وخاتمة دعوة أهل جنته، فقال عز وجل:

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ، وخلق الله السموات والأرض، ومن برأ وذرأ في الحياة ليبلو عباده بشكره، وأعد الجنة في الآخرة لمن شكره، والنار لمن كفره، وقال الله تعالى:

وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ، وقال الله تعالى:

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ؛ فجمل التقوى واقعة، والشكر مرجوا ليدل على ارتفاع رتبته، وعلو درجته عنده، وقال لنجيه موسى عليه السلام:

إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين .

فلم يكلفه إلا أخذ ما أعطاه، والشكر على ما أتاه، وأخبر بعزته في العباد، فقال تعالى:

وقليل من عبادي الشكور ، فأية نعمة أجل قدرا، وأسنى أمرا، معشر الشيعة من نعمة أمير المؤمنين - أيده الله - عند الأمير ذي الرياستين، ومراتبه التي رتبه بها، فإنه أعطاه رياسة الحرب، ورياسة التدبير، وعقد له على رأسهما علما في رواية دعوته، وقلده سيفهما وختمه بخاتم الخلافة، وخاتم الدولة، وجعل صلاته بين صاحب حرسه، وصاحب شرطته، ومسيره بين أمير المؤمنين وبينهما، أمامه وخلفه، وصير له الجلوس على الكرسي بحضرته، في صدر كل مجلس جلس، إلا أن يؤثر به من أحب من أبناء الخلفا، وقدمه في دخول دار الأمير راكبا إلى أقصى مكان ينتهي إليه أحد من بني هاشم، لأنه منهم، وأعظمهم غناء عنهم ، فسماه صاحب دعوته وسيفه على عدوه وبابه الذي يدخل إليه منه، وولاه خيوله في أقطار الأرض، ومقدمته بحضرته، وقلده من الثغور ما قد علمت، بما أفرده في عهده، إلى ما أنفذه من أمره، في جميع سلطانه وملكه، من مشارق الأرض ومغاربها، وأين يأتي الوصف على ما فضله به، وقدمه وشرفه على الناس كافة، ولكنا نخطر بذكره، ثم نكل السامعين إلى ما يرجعون إليه من المعرفة التي لا تبلغها الصفة، ثم لم يكن ما أكرمه به في حياته بأعلى مما أكرمه به في وفاته، تولى غسله وتكفينه، ومباشرته لجهازه، إلى حفرته بيده، وقاسى من الغصص، وبرحاء الحزن، وإذراء العبرة، وإراقة الدمعة، ما حال بينه وبين الكلام، وكاد يمنعه من القول والدعاء في صلاته عليه، من الحكم، وحفظ أهل الحرمة به رعاية له فيهم، ووفاء بعهده من بعده، وأقر خاصته، وقواده وعماله، وكتابه على مراتبهم، وحمد بحمده، وذم بذمه، وجدد لجنده، وتل

7

كريته، نظرا وعطفا، فلم يبق عليه في إحياء ذكره، وبلوغ كل ما يحبه في حياته غاية إلا أتى من ورائها؛ وأمر بقراءة فتوحه، كما كانت تقرأ على عهده، وأضاف كل ما حدث من بعده إلى ما تقدم من سعيه، وأخبر أنه كان سببه، والمفتتح به، وولى محمد بن الحسن خلافته، ونصبه منصبه، وأقامه مقامه إلى أن جدد العهد لي، فاستخلفته على ما ولي بحضرته.

ثم تتابعت كتب أمير المؤمنين - أكرمه الله - بعد مصاب الأمير ذي الرياستين، بما لا يقارب التفضيل، والإطلاق والتفويض الذي كنتم سمعتم به وبلغكم، فلم يكن يرى وراءه مجاراة، ولا فوقه مصعدا، حتى جدد لنا من كرامته، ما قد قرئ عليكم في كتابه، فبلغ بنا ما لم تكن الهمم تبلغه، والأماني لتحيط به، لولا ما منحنا الله عز وجل من الترقي في الفضل، إلى ما تنحسر من دونه الأبصار، وتنقطع دونه الآمال، وإنما اقتصصناه وذكرنا ما أبلانا واصطنع عندنا من بلائه بدعائنا إلى الله عز وجل وإلى طاعته بالعدل والإحسان إلى رعيته والنظر بالصفح، والأخذ بالفضل، والأمر بالمعروف، وصلة المروءة بالوفاء بالعهد، والشكر للمنن، ورعاية الأخلاق المحمودة، وإحظاء أهلها، وإقامة سوقها، حتى تنافسوها وتشاحوا فيها، وصارت هي الذرائع إليه، والوسائل عنده، فلو تأمل متأمل أهل الزلفة، والأثرة لديه، لوجد الأخص فالأخص، والأعلى قدرا عنده هو الأفضل دينا ومروءة، فلو لم يكن في الحظوة عنده إلا إيجابها لصاحبها صحة المحبة، والنزاهة عن كل ظنة، لكان فيها أعظم الغبطة، وأعدل الشهادة والدلالة. وسنقص عليكم بما أخبرناكم عنه ما لا سبيل إلى جحده وإنكاره، بوضوح معالمه ومنائره؛ أوليس المجاهد عن دين الله، والمحامي عن بيضة المسلمين، والمواتي لأغلظ عدوهم شوكة، وأخوفهم عداوة، والمنجح في بلادهم، بمن كان لا يرام، ولا يحاول لاستصعابه وشدة مقاساته، حتى أذعن جيغويه بالعبودية له، ثم أباح حريمه حين تمرد عليه، حتى بلغ السبي إلى ولده، وحاربونا به، وتغلغلت خيوله، حتى توصلت إلى قبته، ومنتهى عزه؟ أوليس مسكن التهيج بالمشرق، حتى خبت النيران فيه، وأذعن رؤساؤها وقادتها؟ أوليس غازي بلاد بابل حين طغى أميرها، وبدل، ونكث ونقض، حتى اجتثت أرومته، وأباح حريمه، وأراح المسلمين من معرته؟ أوليس ساد الثغور، ومحصن عوراتها، والمباشر لتدبيرها، والمسعدا لمكايدة المنجح فيمن أرادها، وفاك العناة، من رق الإسار، وناشر الرحمة على فقراء المسلمين وضعفائهم وأهل المسكنة، والخلة منهم، وقاسم الصدقات في أهلها، وعامر الموسم ومحصنه من الآفات حياطة للمسلمين في حجهم، وما يتقربون به إلى ربهم؟ وهل اقترن لأحد من الأئمة ما اقترن له في الملك والدين والعز، والتواضع والسعة، والبذل والقدرة، والعفو والغلظة، والليان في مواضعها، والنسك مع الهمة، والسطوة مع الإقالة؟ وهل ترك معشر الأولياء والإخوان في الدين غاية لم يسم بنا إلى شرفها، وعلى مراتبها، ومستزاد الحظ في عاجل وآجل، لم يبلغناه ونختار لنا خاص مكرمته، ومدخر عاقبته؟ أرشدنا إلى الدين، وسلك بنا سبل الجنة، حاز لنا الملك، فلم يبق وراء ما ملكنا غاية، وورد بنا الحروب وساسها لنا، فلم يدع غاية للتعليم والدراية، سلط علينا بسلطان الله الذي أتاه، فلم يدع غاية في التقلد والفقه، فكم علمنا الفضائل، ثم فضلنا بها. غلب لنا الأمم، ثم خولناها. علمنا طرائق الشرف، ثم شرفنا بها. أخبرنا عن الأنباء فكفانا مئونة التماسها، وأغنانا بما عنده فيها، أخذ على أيدينا الخير للرعية، فوهب لنا شكرها، وصدق مقالتنا عند الشبهة، وأنفذ أمرنا في التدبير.

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٨