قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وقال الله تعالى:
وكل شيء فصلناه تفصيلا ، ثم لم يكلف العباد من شكره كفاء نعمته، بل رضي منهم باليسير، وقبل منهم العفو، وجعل طاعتهم إياه عائدة عليهم بجزيل الحظ في دينهم ودنياهم؛ لغناه عن عبادتهم، واتساع قدرته بالتطول عليهم، مفتتحا وخاتما، وبادئا وعائدا.
والحمد لله الذي اصطفى محمدا
صلى الله عليه وسلم ، نبيا لرسالته، وأتمنه على وحيه، وأنزل عليه كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فأدى إلى خلقه الرسالة، واستنقذهم من الضلالة، وصدع بأمر ربه وجاهد في سبيله، ونصح لأمته حتى أتاه اليقين من ربه، بعد استنارة الحق، وظهور الحجة، فصلى الله عليه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قد تلافى من الهلكه، وجمع الألفة بعد الفرقة، وأوضح الهدى بعد الدروس، ومعالم الرشد بعد الطموس، وكان بالمؤمنين رحيما.
والحمد لله الذي قفى على آثار المرسلين، والأئمة الراشدين، الهادي التقي، الطاهر الزكي، الإمام المأمون أمير المؤمنين، أعز الله نصره، فسد ثلمتهم، ورأب صدعهم، وقلده خلافتهم، وجعله لكافة المسلمين غياثا ورحمة، وجعل ما ألهمه من العدل والإحسان إليهم، منة عليه ورحمة ذخرها له، دون الخلفاء قبله، فيما أظهر من فضل زمانه على الأزمنة، وسياسة من تقدمه، ومنح الرعية من عطفه ونظره، ما لا يحمل عنهم أو به، ولا يؤدي عنهم شكره، إلا هو لا شريك له؛ وأحسن الله جزاء أمير المؤمنين ومثوبته، على صلة رحم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، التي هي رحمه وقرابته، واختياره لولاية عهده الأمير الرضي علي بن موسى - حفظه الله - حين أحمد سيرته، ورضي محبته، وعرف استقلاله، بما قلده في هديه، ودينه ووفائه، بما أكد الله به عليه، من عهد أمير المؤمنين - أيده الله - في اعتيامه من أزره وأساه بما شفع رأيه، وأنفذ تدبيره، حين هم لاستصلاح ما استرعاه الله، من أمور عباده، لما انتقى القائم بدعوته، ورئيس شريعته، الأمير ذا الرياستين - رحمه الله - فاتخذه مكاتفا ظهيرا ووزيرا دون من سواه، فاتبع منهاج أمير المؤمنين - أيده الله - وسار بسيرته، شرقا وغربا، وغورا ونجدا، موفيا بعهده، قائما بدعوته، مقتفيا لأثره وسنته، فحسم الله به الأدواء، وقمع به الأعداء، من عتاة الأمم، وطواغيت الشرك، وأباد على يده، أهل الشقاق والنفاق، في كل أفق وطرف، بجد أمير المؤمنين - أعزه الله - وبركة سياسته ودولته، ونجح سعي من قام بنصرة من قام بحقه، وأنار برهانه، حتى توفاه الله عز وجل حين بلغ همته وغايته، وحتم أجله، وانقطعت مدته، سعيدا حميدا، شهيدا فقيدا، عند إمامه أكرمه الله، وعند الخاصة والعامة، وكان من إجلال أمير المؤمنين، الحادث الذي نزل به، فأحيا آثاره، بوصف محاسنه، في مشاهده ومجامعه، وترحمه عليه عند ذكره، وحفظه في لحمته، وأهل حرمته، وفيمن كان يحمد الله على طاعته ونصيحته، ما أتم به نعمته، عندنا وعندكم معشر الشيعة، فقد أصبح أمره بكم متصلا، وموقعه من جماعتكم متمكنا، يقبضكم ما قبضه، ويبسطكم ما بسطه من لومة المصيبة، وحسن العقبى، وقد علمتم معشر أهل الحجا والنهى، والطاعة لله عز وجل وخليفته، وذوي الغباء والبلاء في دعوته من أهل خراسان وغيرهم ممن حضر ممن امتحن الله قلبه بوفاء العهد والاستبصار في حق أمير المؤمنين - أبقاه الله - والمجاهدة دونه، والصبر على مواطن الصدق واللأواء، والذب عن البيضة والحريم، والمتحملين للنصب، والمصائب التي انجلت، حتى كأن لم تكن، وبقي أجرها على الله عز وجل ومحمود ذكرها شائعا في الناس.
إن نعم الله قد جلت ولطفت، وخصت وعمت، وعلت وسمقت، وتمت ودامت، حتى قصرنا عن موازينها، والإحاطة بأدائها، فإذا لم يكن لنا معشر إخواننا سبب إلى مكافأة بلائه بالعمل، فنحن جدراء أن نجتهد في القول، ونطنب في الوصف إن شاء الله جل وعز، فقد جعل ذكر النعم من أسباب الشكر، وقد جدد لنا أمير المؤمنين - أيده الله - من الحياة والكرامة، وجزيل الحيطة، وسني الرتبة التي قرئ بها عليكم كتابه ما يستغرق جهدنا، ويستفرغ وسعنا، فنرغب إلى الله عز وجل ولي الرغبة، ومؤتي السؤل والطلبة، في إعانتنا على تأدية ما وجب له، فيما منحنا من فوائده ونحله، ثم نسترفدكم ونستعينكم على شكره، وإمدادنا بما بلغته طاقتكم في السعي له، فقد آدنا ثقل ما حملنا، وثقل ما طوقنا، وعظمت فاقتنا إلى استعمال القوي من الأنفس والحامة، والخاصة والعامة، في جزاء ما جلل أمير المؤمنين فينا من سننه، وشملنا من تالد أياديه وطارفها، وقديمها وحديثها، وكيف يوجد إلى موازاة أمير المؤمنين سبيل ببذل جهد، أو بلوغ حشد، فإنما نقتدي بهداه، ونعشو بنوره في ديننا، وليس عجزنا عن أن نجزي حقه، بواضع عنا مئونة الدءوب في التحري لتأديته، فإن الله عز وجل قد أخبر بفضائل الشكر ومناقبه، وجعله من أسمائه: