تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن أمير المؤمنين مع ما تقدم به إليكم لعلى ثقة من حياطة الله خلافته التي جعلها عزا لدينه وقواما لخلقه، وأنه ليس بها ممن أدبر عن حقها اختلال، بل من خلع ربقتها وأضاع حظه منها، جلب الخلة والحاجة وخسران الدنيا والآخرة. وإنما أتي المقصرون في إعظام حقها من ضعف الروية عن بلوغ ما تفضي بهم إليه مصادر العواقب، وتؤديهم إليه رواجع ما قدموا، فلا يكونون بعملهم غير متجاوزين بهممهم، وفيهم الذي هم فيه إلى ما يمنعه.

5

واستديموا معشر المسلمين سابغ النعمة بحمد موليها والمتطول بها. وقد ترون ما كنتم فيه قبلها وما آلت إليه حال من سلبها؛ ثم يعقب الندامة حين لا مستعتب ولا نظرة يمكن فيها استقالة الفارط بتقصير ولا هفوة زلل. وثقوا من رعاية أمير المؤمنين محمود آثاركم، وما مضى من بلاء كل امرئ منكم، بما تطمئنون إليه وتتوقعون عادته، بأسنى ما ترتفع إليه آمالكم وتسمو إليه هممكم، إلى ما يدخر الله لمن تمسك بهداه، واعتصم بتقواه، وجاهد عن حقه، وافيا بأمر عهده من جزيل ثوابه وكريم مآبه، إلى الدار التي هي أكبر درجات، وأكبر تفضيلا.

أحب أمير المؤمنين أن يتعهدكم بعظة تنبهكم على حظكم، وتثبت من بصائركم، وتقطع من طمع الشيطان وحزبه فيكم، لما يجب عليه من إرشادكم، ويرجو من تأدية حق الله عز وجل فيكم، ولما يرى من اتصالكم بحبله، وما يشمله من الصنيع فيما ولاكم الله به، وتولاه لكم.

وأمير المؤمنين يسأل الله الذي دل على الدعاء تطولا، وتكفل بالإجابة حتما، فقال عز وجل:

ادعوني أستجب لكم ، أن يجمع على رضاه ألفتكم، وأن يصل على الطاعة حبلكم، وأن يمتعكم بأحسن ما أودعكم من مننه، ويوزعكم عليها من شكره، ما يواصل لكم مزيده، وأن يكفيكم كيد الكافرين، وحسد الباغين، ويحفظ أمير المؤمنين فيكم بأفضل ما حفظ به إمام هدى في أوليائه وشيعته، ويحمل عنه ثقل ما حمله منكم. وبالله يستعين أمير المؤمنين، على ما ينوي من جزائكم بالحسنى، وحملكم على الطريقة المثلى، وبه يرضى ناصرا ووليا، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وللمأمون - لما كتبت إليه السيدة زبيدة بعد مقتل ولدها الأمين خطابها الآتي تستعطفه:

كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك، وكل زلل وإن جل حقير عند صفحك. وذلك الذي عودك الله ؛ فأطال مدتك، وتمم نعمتك، وأدام بك الخير، ورفع بك الشر.

هذه رقعة الواله التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر، وفي الممات لجميل الذكر، فإن رأيت أن ترحم ضعفي، واستكانتي، وقلة حيلتي، وأن تصل رحمي، وتحتسب فيما جعلك الله له طالبا وفيه راغبا فافعل، وتذكر من لو كان حيا لكان شفيعي إليك.

فكتب إليها المأمون:

وصلت رقعتك يا أماه، أحاطك الله وتولاك بالرعاية. وقفت عليها وساءني - شهد الله - جميع ما أوضحت فيها، لكن الأقدار نافذة، والأحكام جارية، والأمور متصرفة، والمخلوقون في قبضتها، لا يقدرون على دفاعها، والدنيا كلها إلى شتات، وكل حي إلى ممات، والغدر والبغي حتف الإنسان، والمكر راجع إلى صاحبه. وقد أمرت برد جميع ما أخذ لك، ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهه. وأنا بعد ذلك لك على أكثر مما تختارين؛ والسلام. (5) أحمد بن يوسف

6

رسالة ممتعة لأحمد بن يوسف ذكرها ابن طيفور في اختيار المنظوم والمنثور وهي: أما بعد، فالحمد لله القاهر القادر، الخالق الرازق، فاطر السموات والأرض، الذي أحاط بكل شيء علما، ونطق به خبرا، وأتقنه حكمة وعلما، وألف بين مختلفه ومتفقه، ليدل بقوام بعضه على بعض، على اتصال تدبير مشيئته ومبتدعه، وأنه أحد صمد، لا ضد له ولا ند، إذ قدر له حاجته ثم شدها ببلاغها إلى الغاية التي جعلها، فقال جل وعز:

وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ، وحكى عن نجيه موسى عليه السلام:

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٦