تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة

الآية. وقال على لسان يعقوب لابنه يوسف:

وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث

الآية. وأمير المؤمنين يرى توريث الحكمة والذمام سنة عليه في أخلاقه التي يرعاها ويحافظ عليها؛ كما أنه يرى وراثة التركة فريضة واجبة، فيخلف السلف الصالح عنده من المزية والفضل ما يتلون به أهل الغناء بأنفسهم، ثم يتلوهم من اقتدى [بهم] واهتدى بهديهم. والسابق المتقدم من اعتد ببلاء نفسه إلى بلاء سلفه، ثم يتبعه بعد المبلي بنفسه، ثم يتلوهما المتوسل بآبائه، ثم الصاعد به هواه ورأيه، طبقة فطبقة؛ فليقصر كل امرئ منكم على المرتبة التي أحله بها سعيه، وليسلك إلى الازدياد فيها بالزيادة من نفسه؛ فإن من الفتوق العظيمة على أهل الدول ما ينزغ به الشيطان بينهم، ويكثر عندهم ما يكون منه، فيوافق من الحيف للأنفس ما يجد به مساغا إلى ما يروم من إيقاع الشحناء بينهم، وتثبيت الإحن في صدورهم، بعد التآزر والتناصر. ومتى يجمع المرء لمزية من فوقه، واغتباط من دونه كفي ما ترك. ولن تخلص نياتكم، وتسلم ضمائركم، حتى تمحضوا شكر ما أوليه إخوانكم، وتعتدوا ما نالهم شاملا لكم، وتجانبوا طريقة من اقتصر بأمنيته على خاصته، وتعتب فيما أوثر به أهل الفضل دونه. وكفى عظة فيما نهاكم الله عنه من ذلك؛ يقول الله عز وجل:

ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض

الآية. ولا يلتمسن أحد مودته عن سوء نية بحسن مداراة في ظاهر، فإن الله مقلد كل امرئ ربقة عمله ومطوقه طوق سريرته. ولا يغدرن فيما يلزمه لإمامه؛ فإنه إنما يغدر في حظه ويبخس قسمه، وينحس نفسه. ثم لا يقتصرن على استصلاحها حتى يتناول من كانت منته عليه من أقربيه وحسويه،

4

فإن يسير ما هو معان من تأديتهم لا ينشب أن يتجاوز أدنى المراتب إلى أقاصيها، وقريبها إلى متناهيها، حتى يستفيض شاملا عاما، بعد أن بدا محللا خاصا.

واعلموا أن أمير المؤمنين متفقد من تثقيفكم وتقويمكم على صالح الأدب ومحمود السيرة، ما لا يتفقد به من سواكم؛ فإنه إن كان يوجب على نفسه استصلاح الرعية وحملهم على ما فيه رشدهم وقوامهم، لما يلزمه من فضل العناية بالأخص والأولى فالأولى، فإن في أخلائكم من التقديم في التأديب والتعهد، وجوها من الضرر؛ منها: أنكم أولى بحسن الطاعة وسرعة الإجابة، للطف محلكم وقرب مكانكم عند أمير المؤمنين.

ومنها: أنكم يأنس بكم المؤتمون، ويقتدي بكم التابعون؛ فمتى قصرتم وأخللتم، اقتفى أثركم من نصبتم له أعلاما، ثم لم يكن لكم أن تزروا عليه، ولا أن تأخذوا فوق يده، بل كان قمينا أن يكون يسومكم الرضا بمثل ما سمعتموه، ثم تجري هذه العادة في الطبقات، حتى يطرد السياق، إلى أن يستفيض الفساد في حشو الناس وعامتهم، فلا تغني قوة ولا حزم ولا شدة، إلا العجز والإضاعة؛ ثم يجد الأعداء مساغا إلى الطعن والعيب، فلا يملكون أن يرهقوكم ويستولي عليكم الفشل؛ فإن الأيدي إنما تبسط بنفاذ العزائم، والعزائم إنما تنفذ بثبات الحجة، والحجة إنما تثبت إذا كانت عن الحق. وإذا أضيع أول هذه الرسوم، التي رسم لكم أمير المؤمنين، تبعته تواليه وشفعته لواحقه، ووجد العدو الملاحظ مكان العورة، مطمعا في إهمال ما كان يعد له من الغرة، ويتوفق به من مناهزة الفرصة، وليكن ما تفيضون فيه وتعدونه ظهيرا على طاعن إن طعن في دولتكم، ما ألهم الله أمير المؤمنين: من شمول رعيته بالعدل، وفرش الأمر في مضمراتها ومنقلبها، ورفع به عنهم من سير الجود، وبسط به يده من إثابة أهل البلاء، وتغمد الجرائم لأولي الزلل، والإبلاغ في دعاء من عاند وشاق إلى التوبة والإنابة، وإقالة العثرة بعد القدرة، والحقن لمباح الدماء، فلم تعلموه صبر محملا، ولا هتك لأحد ممن أظفره الله به سترا، ولا وقفه على عورة. ثم تولى الله أمير المؤمنين، في حروبه شرقا وغربا، التي أغناه الله عن الإطناب في وصف صنع الله لكم فيها، لاستفاضة أخبارها في دهمائكم، مع ما أحب من مطالعته إياكم ببالغ أدبه وشافي عطفه، أن يتنكب من الإسهاب، في غير ما صمد له ورأى من تقريع أسماعكم وأذهانكم، لوعي ما التمس أن تعوه من تبصيركم حظكم، وتنبيهكم على رشدكم. وحسب أمير المؤمنين في نفسه وفيكم الله، وكفى به مبينا.

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٥