تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

الباطل ومحنة الابتلاء،

وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز . وليس أحد منكم بخارج من المحنة بما ألبس من النعمة، وإن كنتم أهلها الآخذين لها بحقها، بل الذي يلزمكم استدامتها والقيام بحفظها، على حسب ما أولاكم الله منها، فربما كان الذي يعقب أهلها من الغفلة والاغترار، ويلهيهم بها من حبورها وسرورها، أعظم إثما وحوبا مما يخاف على أهل البطالة والصبر من ضعف العزم وقلة الصبر، لما يستولي عليهم من استكانة الذلة، والاغترار بالتقصير، والفزع إلى ربهم في تنفيس كربهم، فإنه تبارك وتعالى قد وصف أهل الطبقتين فقال:

وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض . فحاجتكم إذا أنجح الله سعيكم وأظفركم بطلبتكم، إلى حياطة ما أودعكم الله من مننه وحراسة ما آتاكم من فضله، بالشكر الممتري للمزيد. فتعهدوا معشر شيعة أمير المؤمنين أنفسكم بتذكر ما سهل الله لكم من الحزونة، وذلل لكم من الصعوبة، وحكم لكم به من النصر، على مراق الملة ومخالفي أهل القبلة، وأباحكم من ديارهم وأموالهم؛ فأصبحتم بمن الله عليكم حماة الدين، وأنصار الأئمة الراشدين، وحصون كافة المسلمين، بعدما اجتث الله بكم قرون النفاق، وأباد بكم صناديد الضلالة، وشرد من لم تستحمله سيوفكم، وأضرع إليكم من أذعن واستسلم، وقد استشرفكم معشر شيعة أمير المؤمنين أهل الشنآن، ولاحظوكم بأعين الحسد والمنافسة، فبين ذلك مجهر معالن، ومستسر مداهن، وداخل في عدادكم، ووالج في سوادكم، يرى أمنه بين ظهوركم، فطعنه عليكم في دولتكم بريبة التمويه وخدع التشبيه، أيسر عليه كلفة وأعظم فيكم خرجا ونكاية؛ فتوقوا هذه الطبقة أشد التوقي، فإن أكثر من يلجأ إلى استباحة الحيلة، من عجز عن المباداة والإصحار، وعند ظهور الحازم وغلبته يحترز من لطيف الخدع وخفي الاستدراج.

واحذروا معشر شيعة أمير المؤمنين من استمراء الطراءة، والركون إلى راحة الدعة ما قد رأيتم وباله عاد على أهله، وأورثتهم عواقبه طول الندم والحسرة؛ فإنكم قد كنتم في حال المراقبة لعدوكم، والخوف لبائقته متيقظين متحفظين لما كان يرومكم به من ختله وحيله، ثم أفضيتم إلى الحج وقد جهدكم السعي ومسكم النصب، وسيلقي الشيطان في أمانيكم أن قد اكتفيتم بسالف ما قاسيتم، ويجد من ضعف العزائم معينا داعيا إلى اغتنام الخفض، والإخلاد إلى الأرض، ما لم تعتصموا بما عاينتم من الاعتبار، وتمتثلوا مواضي الآثار فيمن سلف من القرون الخالية، وما أفضت به إليه العزة من زوال النعم ووقوع الغير، فإن جميع ما خولكم الله وأفادكم مرتهن بما ألزمكم من حياطته واستنمائه؛ فقد وجبت عليكم الحجة بما حضكم الله عليه، وعظمت عليكم المنة بما هداكم إليه، وأراكم من آياته ومثلاته فيمن خلا قبلكم ما فيه أبلغ الإعذار والإنذار لكم، ومن اجتمع له اقتناء صواب من تقدمه إلى ما ينبعث من نفسه، فكأنه قد اختبر بالتجربة، مع استمداده بما يستفيد، ويستزيد ما يفتح لبه ورأيه، وأيقنوا أنكم لن تصلوا إلى من سواكم، ممن هو أعسر طاعة عليكم وأعذر بمعصيتكم، حتى تبدءوا باستصلاح أنفسكم، وأنه لن يرجى لكم القوة على مجاهدة عدوكم حتى تقووا على مجاهدة أهوائكم، فإن على كل امرئ ريبة من أمره، وغطاء من غيبه، لا يكشفه إلا صحة المعرفة، والإذعان بالنصفة؛ فهناك يؤمن عليه الجهل والمعاندة، وإذا أمنت هاتان الخلتان انسدت بإذن الله ثلم الآفات، وفتوق المكاره، فإنه لا يخاف الضلال على من اهتدى، ولا اعتماد الجور على من انتصف من هوى.

وليكن أول ما تتعهدون به أنفسكم، وتثابرون عليه من صالح أدبكم تناصف الحق بينكم، بتقديم أهل الفضائل والآثار المحمودة منكم وتفخيم أمركم؛ فقد علمتم أن منكم المبرز الفائت الذي لا يدرك شأوه ولا يوازى بلاؤه، حين كشف الإبلاء ضمائر القلوب وجلا مشتبهات الظنون، فصرح بالمحاربة بعد التقدم في الحجة، وفاء بمؤكد العهد وركوبا منه لهائل الخطر، غير هائب مع صحبة الحق ما برق لديه الناكس المخلوع ورعد، ولا مستوحش فيما تفرد به إلى من تولى وأدبر، حتى أتى الغاية التي أجري إليها في الله عز وجل وفي خليفته، ثم لرؤسائكم من أهل المشايعة والمكانفة والنصرة والحظ الجزيل والأثر المبين، ثوابهم واجب وحقهم لازم؛ ثم منكم من يحفظ لسلفه وأوله من الآباء الذين يحفظون ولايتهم، فإن الله - عز وجل - يقول في ذكر اليتيمين:

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٤