تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

نهوضه بحقه، وخافوا الزيغ على أديانهم فيما أعطوه من صفقة أيمانهم؛ وهو ماض على عادته، مستديم للموادعة، متلوم على المراجعة، بالغ غاية ما في وسعه من الرخصة في دفع الولاية التي نهنه بها الرعية، حتى ضاق عليه في دينه ترك القيام بما أنهضه الله به من ثقلها وقلده من حملها، وخاف المخلوع فانبعث بالشرة والغرة، فتناول أولياء الحق باغيا طاغيا، لما أراد الله من تأييدهم عليه بالبيان والحجة التي يجب لها قلبه، ويفت بها في عضده، ويقبل الله ما شرفكم به من النصر والغلبة فيه التي جعلها الله للمتقين. فاجتمع لكم معشر أهل خراسان في دولة أمير المؤمنين ثلاث خلال اختصكم الله بفضيلتها، وسني مراتبها، دون ثلاث شملتكم وغيركم.

أما الأولى:

من اللواتي خصكم الله بهن؛ فما تقدم لأسلافكم من نصرة أهل بيت النبي، والقائمين بميراثه من آباء أمير المؤمنين.

وأما الثانية:

فما آثركم الله به من نصرته في دعوته الثانية.

وأما الثالثة:

فما تقدمتم به من صحة ضمائركم، ومحض مناصحتكم.

وأما الثلاث اللواتي هن لكم ولغيركم:

فمنهن ما أكد الله لأمير المؤمنين في أعناق المسلمين: من العهد الذي أخذ إصره، وألهمهم الوفاء به والتمسك بوثائق عصمته، عند محاولة المخلوع ما حاول من الإعلان بالردة، والتمس من تبديل معالم الدين وتعفية آثاره، فلم يلف الرعية سدى مهملين، لا جامع لأمرهم، ولا ضام لنثرهم.

ومنهن ما أفادكم الله وإياهم من العبر، عند حلول الغير بمن غدر وختر، تذكرة لأولي النهى، وحجة بالغة على من أدبر وتولى، ليهتدي متحير ويتعظ مزدجر،

وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين . ومنهن اجتماع أهل الفضل من المسلمين: ممن لم يكن له نصر ولا أزر في الدعوة الأولى على المشايعة في الدعوة الثانية؛ فأصبح دعاة أمير المؤمنين من أهل الحرمين والمصرين ومدينة السلام والمشرق والمغرب ممن غار أو أنجد من المتمسكين بذممهم الموفين بنذورهم، من إخوانكم؛ وإن كان الله قد قدمكم في الأمرين جميعا بتفوق حالكم على غيركم، يعتدون من معاضدتكم ومكانفتكم بما جعله الله عز وجل ألفة لكم ومودة بينكم، يبيد بها ما كان الشيطان ينزغ به بين أهل التباعد في الأنساب، والتنائي في الأوطان من إيقاع العداوة والبغضاء، والانطواء على الأحقاد والدمن، وطلب تقديم الإحن، وصار أهل السمو إلى الدرجة العليا والاعتصام بالعروة الوثقى من أولياء أمير المؤمنين وشيعته، منشرحة صدورهم بمكانفته، منبسطة أيديهم بمعاونته على حقه، منفسحة آمالهم في إذكاء ناره على عدوه والإثخان في بلاده وافتتاح ممتنع حصونه، بما جمعهم الله عليه من الألفة، ورفع عنهم من الحمية والعصبية؛ راجين عودتهم إلى أحسن ما مضى عليه سلفهم، في عهد نبيه

صلى الله عليه وسلم ، من سلامة الصدور، وصلاح ذات البين، واجتماع القوى على مجاهدة من شاقهم؛ قد أفرد الله عنهم نفرة التحارب والتجاذب، وجعل ما كان يسعى به بعضهم من الإعداد لبعض، زيادة في ريحهم، وحدا في شوكتهم، لائتلافهم في دولة أمير المؤمنين المحدودة المؤيدة بصدق الضمائر، ونفاذ البصائر. وإلى الله يرغب أمير المؤمنين في إعانته على صالح نيته، وتبليغه منتهى سؤله وغاية همته، في إعزاز دينه وإذلال من صد عن سبيله؛ إنه سميع قريب.

ومن أقوى الأسباب إلى استدعاء الشكر على النعمة تذكر ما كانت عليه الحال قبلها، فاستديموا الإفاضة فيما رفع الله من خساستكم وأعلى من أقداركم، بنصرة أهل بيت نبيكم

صلى الله عليه وسلم ، وما أبلاكم الله في الدعوة الأولى مما لا يؤدى حقه إلا بعون الله وتوفيقه، فإنه ارتاح لهم بلطفه وتوفيقه، فأنالهم رغائب الأقسام وسني الخطوات، ورفع درجهم ودرج خلوفهم وأعقابهم من بعدهم، بعد إذ هم مستضعفون يخافون أن يتخطفهم الناس، مذعنون بقهر عدوهم واستئثاره عليهم، ثم لم يلبثوا أن صاروا إلى الحال التي يرونهم بها من الغبطة والبهجة، إلا أنهم أخذوها بحقها؛ وكانت في أيدي الظلمة من أهل بيت اللعنة وأتباعهم بخنسة

عصر المأمون · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧٣