ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . ثم جاهد بمن أطاعه من عصاه، وبمن اتبعه من خالفه، حتى أعز الله كلمته، وأظهر دعوته، وأكمل لعباده دينهم الذي ارتضى لهم. فلما اختار الله له ما لديه، واختصه بما عنده: من النعيم المقيم، والجزاء الكريم، بعد استقامة الدين ودخول الناس فيه أفواجا، خلفه، إذ ختم به الأنبياء، بالبررة النجباء من أدانيه ولحمته، لإقامة الشرائع المفترضة، وإنفاذ حكم الله المنزل، واقتفاء السنة المأثورة وحفظا له في قرابته ومجيبي دعوته، وإتماما لما أوجب له من الفضيلة، وقريب الوسيلة، وانجازا لما وعده من إظهار ما بعثه به، من دينه الذي اصطفاه وارتضاه. وكان اختيار أولي الفضل من لحمته وعصبته لإرث خلافته، ومن عظيم الزلف التي رغب إلى الله فيها أنبياؤه، وبما اقتص في منزل وحيه، واختص - تبارك وتعالى - نبيه
صلى الله عليه وسلم
بما أمره به من مسألة أمته تصيير مودته في القربى جزاءه ممن تبعه على الرسالة، وهداه من الضلالة؛ فكانت فضيلتهم عزيمة من الله عز وجل دون طلب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ ألزمه تأديته إلى خلقه وألزمهم أداءه، فقال عز وجل:
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . ودل بما أخبر به وأظهره من تطهيره إياهم وإذهابه الرجس عنهم، على اصطفائه لهم؛ فقال تعالى:
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا . وكان مما أوجب لهم به حق الوراثة في محكم تنزيله قوله تعالى:
وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . ثم قرن طاعتهم بطاعته، فقال:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . وأحلهم من النباهة والصيت بالمحل الذي أعلى به أمرهم ورفع به ذكرهم، لما أحب من النبيين في الدلالة عليهم، والهداية إليهم، فإنه يقول عز وجل:
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر .
ولو كان الأئمة المقلدون أمر عباده خاملة أنسابهم، متقطعة أسبابهم، غير مخصوصين بفضيلة يرونهم بها دون غيرهم، لم تعد طلبتهم عقد الخلافة لهم، وأن تكون من المفترضات على كافة الأمة، أو على بعض دون بعض؛ فإن كان لأهل الشرق والغرب من ذوي النقص والكمال أن يختاروا لأنفسهم، فليس في اجتماع آرائهم مع تفرقهم واختلافهم طمع آخر أيام الدهر. وإن كان إلى خاصة دون عامة، فستحتاج العامة من طلب معرفة تلك الحال إلى مثل ما احتاجوا إليه في أئمتهم، إذ لم يكن أهل الارتياب والطلب من أعلام الآفاق ليتواطئوا على اتفاق، لنفاد آجالهم قبل بلوغهم غاية الاجتهاد في الفحص والتكشيف، وحاجتهم إلى اختبار البلدان، وتمحيص أولي الفضائل بالامتحان، وما هو حاق عليهم من الشبه في اختيارهم، والاختلاف فيمن عسوا أن يجتبوه ويقدموه، حتى تتهالك الرعية بتظالمها بينها، ويطرق من يليها من الأمم إياها؛ إذ لا ذائد عنها ولا محامي. فإذا ألزمت الأمة الحاجة إلى نصب الحكام لإقامة الدين، وتقسيط الحقوق من المسلمين، ومجاهدة عدوهم من المشركين، لم يكن لهم في الإمام عليهم مجاز إلى التخلص من حقه إليهم، ولا ريب عند المعرفة برأفة الله ورحمته، ولطفه وحكمه، في دفعه عن عباده ما لم يجعل في حيلتهم له وسعا، ولا في حيلتهم له دركا، وكفايته إياهم ما يعجزهم من البحث والتنقيب عن ولاة أمرهم، بنصبه إياهم، وما رفعهم إليه من الدرجة التي أعلاها وأسناها، إذ وصل نسبهم برسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وافترض مودتهم على خلقه، ولم يشنهم جهلهم للغرض الذي لزمهم له، ولم يجب عليهم فرض في معرفة من سواهم.
ولم يزل سياق أئمة الهدى مطردا، ونظامهم متصلا، يتلقاه كابر عن كابر، ويؤديه أول إلى آخر، حتى تناهى إلى أمير المؤمنين، وهو حال دار دعوته، وبين أنصاره من أهل خراسان، فنظر به خيرهم، وعرفوا ما تصرفت به أحوالهم، وظهر لهم من بيان حجته على من نازعه في الأمر، وشاهدوا من إبلاغه في العذر، واستظهاره بالتأني والصبر، ما أزاح عنهم الشبهة وكشط الحيرة، حتى استزالوا