تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن البيان الشاهد ما أخبر الله عز وجل به من إنشائه الخلق، وحدوثه بعد أن لم يكن مترقيا في النماء، وثباته إلى أجله في البقاء، ثم محاره منقضيا إلى غاية الفناء. ولو لم يكن له مفتتح عدد ولا منقطع أمد، ما ازداد بنشوء، ولا تحيفه نقصان، ولا تفاوت على الأزمان؛ لأن ما لا حد له ولا نهاية، غير ممكن الاحتمال للنقص والزيادة. ثم ما يوجد عليه منفعته من ثبات بعضه لبعض، وقوام كل شيء منه بما يسر له، في بدء استمداده إلى منتهى نفاده؛ كما احتج الله عز وجل على خلقه، فقال:

أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا . وقال عز وجل:

كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . وكل ما تقدم من الأخبار عن آيات الله عز وجل ودلالاته في سمواته التي بنى، وأطباق الأرض التي دحا، وآثار صنعه فيما برأ وذرأ، ثابت في فطر العقول، حتى يسخر أولي الزيغ ما يدخلون على أنفسهم من الشبهة فيما يجعلون له من الأضداد والأنداد. جل عما يشركون. ولولا توحده بالتدبير، عن كل معين وظهير، لكان الشركاء جدراء أن تختلف بهم إرادتهم فيما يخلقون، ولم يكن التخلف في إثباته وإزالته ليخلو من أحد وجهيه، وأيهما كان فيه فالعجز والنقص مما أتاه وبرأه. جل البديع خالق الخلق ومالك الأمر عن ذلك وتعالى علوا كبيرا؛ كما قال سبحانه:

ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون . ثم من عظيم نعمة الله عز وجل على خلقه افتقاده إياهم، وأنه يسددهم ويدلهم على منافعهم، ويجنبهم مضارهم، ويهديهم لما فيه صلاحهم، ويرغبهم في المحافظة على التمسك بدين الله عز وجل الذي جعله عصمة لهم وحاجزا بينهم.

ولولا ما تقدم به من تلافيهم واستدراكهم بفضل رحمته، لاجتاحهم التلف، لقصور معرفتهم عن التأتي لأقواتهم ومعايشهم، ولم يكونوا ليقتصروا على حظوظهم وأقسامهم عما بنوا عليه من الجمع والرغبة، ولتهالكوا ببغي بعضهم على بعض، وعدوان قويهم على ضعيفهم، ولكنه بعد تعريفه إياهم ملك قدرته وجلالة عزته، بعث إليهم أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين، بالآيات التي لا تنالها أيدي المخلوقين؛ فرضوا بما قسط بينهم، وارتدعوا عن التباغي والتظالم، لما وعدوا من الثواب الجسيم وخوفوا من العقاب الأليم؛ ولم يكونوا ليطيعوا أمرا لآمر ولا نهيا لناه، إلا بحجة يتبين بها الحق على من خالفه من المبطلين، وتخويف يتقون به مقارفة ما حرم عليهم، ورجاء يتجشمون له مئونة ما تعبدوا به. فافتتح الله عز وجل بأبيهم آدم - عليه السلام - فعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة بالسجود له - كما اقتص في وحيه المنزل - وكرم ولده وفضلهم، فقال جل وعز:

ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . وجعل ما فطرهم عليه من العطف على ذراريهم وأبنائهم سببا لما أراد من بقائهم وتناسلهم، وما اختصهم به من العلم والفهم حجة عليهم، ليمتحن طاعتهم، ويبلوهم أيهم أحسن عملا.

ولم تزل رسل الله عز وجل إلى خلقه تترى بالنور الساطع، والبرهان القاطع، لا يجدون لما يوردون عليهم من الحق القاهر مردا ولا مدفعا؛ لقول الله عز وجل:

ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين . فلم يجد المكذبون مساغا إلى دفع ما أقيم عليهم من لازم الحجة، إلا المعاندة والمجاحدة. وكان أنبياء الله - صلوات الله عليهم - يبعثون في أعصار الحقب، نذرا للأمم، حتى ختمهم الله عز وجل بالنبي الأمي محمد

صلى الله عليه وسلم ، فبعثه فردا وحيدا لا عاضد له ولا رافد، إلى قوم يعبدون أصناما بكما، وحجارة صما، فكذب به القوم الذين بعث فيهم أول ما دعاهم، ورامه ملوك أقطار البلاد بتوجيه الأجناد، ومرافدة القوة والعتاد وبغي الغوائل، ونصب الحبائل، وهو يدعو إلى سبيل ربه بما أمره به، إذ يقول تعالى:

عصر المأمون · الصفحة ٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧١