تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبذ أولادها حواملها

يغدون منها في كل مبهمة

عمياء تمنى لهم غوائلها

لا ينظر الناس في عواقبها

إلا التي لا يبين قائلها

كرغوة البكر أو كصيحة حب

لى طرقت حولها قوابلها

فجاء فينا أزرى بوجهته

فيها خطوب حمر زلازلها

ولقد زاد في إذكاء العصبية بين القبائل العربية حمق بعض الولاة، وعدم أخذهم الأمور التي تقع بين أيديهم بالحزم والحكمة، وأيضا استهانة بعض الخلفاء الأمويين ببعض الأمور وغرورهم بما لهم من سلطان، فكانوا لا يبالون شعور الناس في تعيين الولاة عليهم، مما كان له أبعد أثر في صرف النفوس عنهم، واستجابتها لكل داع إلى الخروج عليهم، وحسبك أن ترى هشام بن عبد الملك - مع حزمه وبعد نظره - يعين نصر بن سيار واليا على خراسان وهو يعلم أن عصبيته بها ضعيفة، فإنه لما استشار فيمن يوليه خراسان بعد أسد بن عبد الله القسري، كان مستشاره يسمى له أشخاصا بما لهم من محامد ومذام، فلما جاء ذكر نصر بن سيار قال: إن اغتفرت له واحدة فإنه عفيف مجرب عاقل، قال هشام: وما هي؟ فقال المشير: عشيرته بها ضعيفة، فقال هشام: «أوتريد عشيرة أقوى مني؟ أنا عشيرته!»

على أن كلمة هشام قد تخفف من آثارها السيئة متانة حكومته، ونفاذ صولته، وقوة شوكته، ولكن الخلفاء جميعا ليسوا كهشام حزما واقتدارا، وليست أيامهم كأيام هشام نجحا وانتصارا.

ومهما يكن من شيء فإن تولية نصر بن سيار على خراسان كانت في الواقع شؤما على بني أمية.

وقد بلغت العصبية بين مضر واليمن في خراسان طورا عنيفا، جعل التزاوج بين الفريقين موضع اضطهاد وسخرية وازدراء.

ولقد قالت أم كثير الضبية لما هدم اليمنيون دور المضرية أثناء الحروب التي كانت بين نصر والكرماني بسبب العصبية:

لا بارك الله في أنثى وعذبها

تزوجت مضريا آخر الدهر

أبلغ رجال تميم قول موجعة

أحللتموها بدار الذل والفقر

إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم

حتى تعيدوا رجال الأزد والظهر

إني استحيت لكم من بذل طاعتكم

هذا المزوني يجبيكم على قهر

وقال شاعر آخر:

ألا يا نصر قد برح الخفاء

وقد طال التمني والرجاء

وأصبحت المزون بأرض مرو

تقضي في الحكومة ما تشاء

يجوز قضاؤها في كل حكم

على مضر وإن جار القضاء

وحمير في مجالسها قعود

ترقرق في رقابهم الدماء

فإن مضر بذا رضيت وذلت

فطال لها المذلة والشقاء

وإن هي أعتبت فيها وإلا

فحل على عساكرها العفاء

ولقد استغل الدعاة العباسيون العصبية التي فتت في عضد الأمويين ومزقتهم أشتاتا وطرائق قددا خير استغلال، وهو ما كان له أبلغ أثر في القضاء على سلطان بني أمية؛ ذلك أن نصر بن سيار، وهو عامل خراسان، قد تحامل على اليمن وربيعة وقدم المضرية، فوثب به جديع بن علي الكرماني الأزدي - وكان رئيس الأزد يومئذ ورجلهم - وقال له: ندعك وفعلك. ومالت معه اليمانية وربيعة، فأخذه نصر وحبسه، فأتت اليمن وربيعة حتى أخرجوه من مجرى كنيف! ثم اجتمعوا، ورام نصر أن يخدعه فيصير إليه، فلم يفعل - وكان في نصر بعض الخرق - فلما علم جديع أن اليمن وربيعة قد اجتمع رأيهما معه على نصر وثب فحاربه، وكان له العلو على نصر، فمال أبو مسلم إلى الكرماني فقال: ادع إلى آل محمد، وجعل يمايل أصحابه ويدعوهم إلى ذلك حتى أظهروا دعوة بني هاشم بخراسان.

هذا ما كان من أمر العصبية بين العرب واستغلالها في إظهار الدعوة لبني العباس.

على أنه يجدر لك ألا يعزب عن ذهنك أن العصبية وإن كانت قد خدمت العباسيين أجل الخدم، فكانت معول هدم وعامل فناء في صرح الأموية، كان ضرامها وأجيجها وحروبها وفتنها لم تخمد سراعا، ولم ترجع أمور العباد إلى نصابها من الموادعة وحسن المصانعة بتيسير حال؛ بل أخذت دورها المحتوم، وكانت حسكا وقتادا، الفينة بعد الفينة، في بعض الولايات والأمصار، لبني العباس أنفسهم، كما ستقف عليه فيما سنسرده عليك من خلاصة أخبارهم ومجمل تاريخهم. (3) الموالي

عصر المأمون · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٧