والآن نعرض عليك حال الشعوب التي كانت خاضعة لسلطان بني أمية حتى تتبين أحوالها النفسية، والأهواء التي كانت غالبة عليها، فإنه لا يكفي في انتقال الملك من شخص إلى شخص، أو من بيت إلى بيت بث الدعوة وتنظيمها، وحزم القائمين بها، وإخلاص المشيرين وكفاية القواد، بل لا بد مع هذه الأمور أن تصادف الدعوة الجديدة نفوسا مستعدة لها، راغبة فيها، عاملة على إنمائها، لكي تزهر وتؤتي ثمارها.
والحق أن الدعوة العباسية قامت في وقت كانت قد توزعت فيه الحواضر الإسلامية أهواء مختلفة، وتقسمت القبائل العربية عوامل العصبية، وأخذت الشعوب المغلوبة على أمرها والتي أصبحت خاضعة للنفوذ العربي تستفيق من الدهشة التي استولت عليها من الفورة العربية التي أخضعتها لسلطان العرب المسلمين.
أما الحواضر الإسلامية فكان قد غلب على كل حاضرة هوى أسرة أو شخص معين، ولم تكن لتخضع للسلطان العربي الأموي لولا القوة القاهرة؛ ولهذا لم يكد يضطرب أمر بني أمية في الأطراف، ويظهر الخارجون من الدعاة على ولاتهم، حتى أخذت هذه الحواضر تنسل عن طاعة بني أمية واحدة بعد أخرى. وتستطيع أن تلتمس هذه الظاهرة بينة واضحة من تقاعد الولايات عن نصرة آخر خلفاء بني أمية عندما حزبه الأمر وتعقبه مطاردوه. (2) العصبية
العصبية هي مناصرة من يمت إليك بصلة من صلات الحياة؛ كأن تجمعكما رحم قريبة أو بعيدة، أو عقيدة دينية، أو هوى سياسي. فيظهر أنها من طبيعة الوجود؛ إذ لا تختص بها قبيلة دون قبيلة، ولا أمة دون أمة، ولا جنس دون جنس، ولا عصر دون عصر، وكما توجد في الأمم البادية، كذلك توجد في الأمم الحاضرة، وما الدعوات القومية والنعرات الجنسية إلا نوع من العصبية بمعنى أوسع.
والعصبية العربية التي نحن بسبيل القول فيها، والتي كانت من الأسباب التي اضمحل بها سلطان بني أمية، قديمة في القبائل العربية؛ كانت في الجاهلية قبل الإسلام، وكانت تضيق وتتسع بحسب الظروف والمناسبات، فبينما نراها بين العدنانية والقحطانية، وهو أوسع معانيها من الوجهة التاريخية العربية، نراها بين ربيعة ومضر، وهي قبائل عدنانية، ونراها بين بني أمية وبني هاشم، وقد يكون هذا من أضيق ميادينها، وكانت هذه العصبيات تشتد حينا، وتفتر آخر.
فلما جاء الإسلام، ودخل الناس فيه أفواجا، وتم له السلطان في جزيرة العرب، ألف بين القبائل، وأزال ما في صدورهم من أحقاد، وذلك ما يشير إليه قول الله تعالى:
هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم .
ألف الإسلام بين قلوب العرب، وأزال كل أثر للعصبية القديمة في نفوسهم، ولكنه استبدلها بعصبية واسعة شاملة هي عصبية الإسلام، وجعل المؤمنين جميعا إخوة.
وبقى أمر العرب كذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، وذلك راجع لا محالة إلى عوامل شديدة الأثر في نفوسهم؛ كهيمنة الروح الدينية عليهم، وكانشغالهم بالفتح وما استتبع الفتح من غنائم، وكحزم الخلفاء وحكمتهم، وشدة الولاة وقسوتهم.
فلما كان العصر الأموي واستقر الناس في الحواضر الإسلامية وشغلوا بعض الشيء عن الفتوح، راجعتهم الشنشنة القديمة، فأخذ بعضهم يفتخر على بعض بما كان لآبائهم من مجد في الجاهلية، وبلاء في الإسلام، وما لقبائلهم من قوة وأيد. وقد أدرك بعض شعرائهم النتائج السيئة لذلك، فقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعدي:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا
إذا استقلت تجري أوائلها
من فتنة أصبحت مجللة
قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن
بالشام كل شجاه شاغلها
فالناس منها في لون مظلمة
دهماء ملتجة غياطلها
يمسي السفيه الذي يعنفها بال
جهل سواء فيها وعاقلها
والناس في كربة يكاد لها