لما أفضت الخلافة إلى الأمويين كان عدد الموالي آخذا في الازدياد بسبب ما جلبته الفتوح الإسلامية من الأسرى، وما كان يهديه الولاة إلى الخلفاء من الرقيق؛ فإن الولاة كثيرا ما كانوا يبعثون إلى الخليفة بمئات أو ألوف من الرقيق الأبيض أو الأسود هدية أو بدلا من الخراج أو نحوه.
ومن كان يحر من هؤلاء بعتق أو مكاتبة أو تدبير يصير مولى، وينسب إلى أسرة معتقه أو قبيلته، مع ملاحظة عدم أهليته للبناء على قرشية أو عربية.
كثر عدد الموالي جدا، فانصرف فريق منهم إلى الصناعة، وآخر إلى الزراعة أو غيرها من شئون الحياة، وانصرف فريق آخر إلى العلوم والفنون والآداب، فكان منهم جلة الفقهاء ورواة الحديث، كما كان منهم الشعراء والكتاب والمغنون، وتولت طائفة منهم المناصب السامية في الدولة كالقضاء والحجابة وما إلى ذلك.
على أنه مع ما كان لكثير من الموالي من قدم راسخة ومنزلة رفيعة في العلم والأدب والفنون كان العرب ينظرون إليهم دائما نظرة احتقار وازدراء.
وكان هذا الاحتقار والازدراء يظهر في معاملة العرب للموالي وأحاديثهم عنهم، ولما كان الموالي أهل علم وأدب، وينتمي كثير منهم إلى دول كان لها من السلطان ومظاهر الحضارة حظ عظيم، بل كان للفرس وجل الموالي منهم سيادة ظاهرة على العرب قبل الإسلام، لما كان كل هذا عظم على الموالي أن يحتملوا كل هذا الضيم من العرب، فاندفعوا يذودون عن شرفهم وكرامتهم، ومن هنا نشأت الشعوبية - والشعوبية مذهب من يرى تفضيل العجم على العرب أو التسوية بين الفريقين - ثم أخذ الشعراء وغير الشعراء من الفريقين يتبارون في إكبار كل لفريقه، والحط من الفريق الآخر.
وكان نصيب الموالي في حالة تمدحهم لقومهم من الخلفاء الأمويين مدعاة إلى زيادة مقتهم لهم، وزيادة السخيمة في قلوبهم عليهم. وإنا نثبت لك هنا مثلا استشهد به الأستاذ «برون» في كتابه عن أدب الفرس، نقلا عن الأغاني، قال: إن إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته وهو بالرصافة جالس على بركة له في قصره، فاستنشده وهو يرى أنه ينشد مديحا له؛ فأنشدة قصيدته التي يفتخر فيها بالعجم:
يا ربع رامة بالعلياء من ريم
هل ترجعن إذا حييت تسليمي
ما بال حي غدت بزل المطي بهم
تخدي لغربتهم سيرا بتقحيم
كأنني يوم ساروا شارب سلبت
فؤاده قهوة من خمر داروم
حتى انتهى إلى قوله:
إني وجدك ما عودي بذي خور
عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم
أصلي كريم ومجدي لا يقاس به
ولي لسان كحد السيف مسموم
أحمي به مجد أقوام ذوي حسب
من كل قرم بتاج الملك معموم
جحاجح سادة بلج مرازبة
جرد عتاق مساميح مطاعيم
من مثل كسرى وسابور الجنود معا
والهرمزان لفخر أو لتعظيم
أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا
وهم أذلوا ملوك الترك والروم
يمشون في حلق الماذي سابغة
مشى الضراغمة الأسد اللهاميم
هناك إن تسألي تنبي بأن لنا
جرثومة قهرت عز الجراثيم
قال: فغضب هشام وقال له: يا عاض بظر أمه، أعلي تفخر، وإياي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك؟! غطوه في الماء. فغطوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو يشر، ونفاه من وقته، فأخرج من الرصافة منفيا إلى الحجاز، قال: وكان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم، فكان لا يزال محروما مطرودا.
ولما كان شأن الخلفاء الأمويين شأن سائر العرب في التعصب على الموالي حتى كانوا يستعملونهم في الحروب مشاة ولا يعطونهم شيئا من الغنائم والفيء، نفرت نفوسهم منهم، وأصبح سلطانهم بغيضا إليهم، وصاروا عونا لكل من خلع الطاعة، أو طلب الخلافة من العلويين أو الخوارج.
ولقد كان العباسيون يدركون هذا الشعور في الموالي فاستغلوه خير استغلال؛ إذ اتخذوا جلة المبشرين بدعوتهم منهم، واعتمدوا كل الاعتماد عليهم، ورأى الموالي في الدعوة الجديدة شفاء لما في صدورهم من حقد على بني أمية خاصة، وعلى العرب عامة، فأخلصوا للدعوة الجديدة، وبذلوا في تحقيقها كل ما يملكون من نفوس وأموال.