لم تصل الخلافة إلى معاوية إلا بدهائه وسعة حيلته وبعد نظره وحسن تصريفه للأمور، وإلا فقد كان هناك حزب قوي الشكيمة عزيز المكانة يرى علي بن أبي طالب أحق بالخلافة، ولولا دهاء معاوية ما نزل الحسن بن علي ولا أخلى لخصمه الميدان في سنة 41 هجرية، وقد كان من نتيجة ذلك أن سخطت الأحزاب العلوية من تصرفه، فجمعوا الجموع وجندوا الجنود وثاروا على أمير الكوفة الأموي، وهو زياد بن أبيه - وكان يد معاوية التي بها يصول - ولكن زيادا يعرف كيف تخمد الفتنة، وتطفأ الثورة، فبادر إلى استئصال الداء، وقتل منهم خلقا كثيرا أشهرهم حجر بن عدي وأصحاب حجر بن عدي، بيد أن إراقة الدماء تهيج الحماسة، وتؤجج نار العداوة والبغضاء في قلوب المغلوبين، وكذلك ظلت الفتنة تنذر بالشر المستطير.
رأى الدعاة العلويون أنه لا قبل لهم بمعاوية ولا برجاله، فتربصوا بهم ريب المنون، وعللوا النفس بتقلبات الحوادث وعنت الأيام، راجين أن تعود الخلافة إلى بيت النبي، ولكن شد ما فزعوا يوم أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد المعروف بالميل إلى اللهو والقصف والتلهي بالصيد عن شئون المسلمين، وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:
حشينا الغيظ حتى لو شربنا
دماء بني أمية ما روينا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم
تصيدون الأرانب غافلينا
وإنا لنعلم أنه لما مات معاوية سنة 60ه وتولى بعده ابنه يزيد، أبى الحسين أن يبايع له بالخلافة، بل رأى أكثر أهل التقى في مبايعة يزيد خرقا لحرمة الدين، ثم قتل الحسين في كربلاء سنة 61ه فألفت الشيعة «حزب التوابين» بعد وفاة يزيد وبيعة مروان بن الحكم سنة 64ه، وأخرجوا والي الكوفة الأموي عبيد الله بن زياد، وولوا عليهم رجلا منهم.
ثم تألف حزب «شرط الله» بزعامة المختار بن أبي عبيد الله الثقفي، وانقسمت الشيعة العلوية إلى فرق عدة؛ أهمها الفرقة الإمامية، وهي التي ترى أن أحق الناس بالخلافة هم ولد علي من فاطمة بنت النبي، والأئمة في نظرهم اثنا عشر إماما؛ وهم: علي، والحسن، والحسين، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد التقي، وعلي التقي، وحسن العسكري، ومحمد المهدي.
ومنها الفرقة الكيسانية، وهي التي تقول بتحول الخلافة بعد الحسن والحسين إلى أخيهما محمد بن الحنفية، ومنها الفرقة الزيدية نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين، والفرقة الإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وفرق أخرى أصغر من تلك شأنا، وأقل أثرا. •••
على أنه كان يوجد بجانب أولئك الولاة المخلصين لبني أمية والمسرفين في مطاردة الحزب العلوي فريق آخر على رأسه خالد القسري، يعمل لمناصرة العلويين سرا لا علانية، كما يعمل - في العادة - فريق من موظفي الحكومة لحزب الأقلية المضطهد طمعا في المناصب، أو نصرا لعقيدة سياسية، أو إيثارا للعدل والإنصاف.
على أن الدعوة العلوية كانت فاترة ضعيفة إذا قورنت بالدعوة العباسية التي سنتكلم عليها في الكلمة الآتية، ولعل من أكبر أسباب ضعف
1
الدعوة العلوية مبايعة زعماء العباسيين محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية، فقد بايعه أبو العباس السفاح كما بايعه أبو جعفر المنصور وغيرهما من أئمة الحزب العباسي.
وكذلك سارت الدعوة لآل محمد شوطا بعيدا، وظاهرتها شخصيات بارزة قوية الشوكة وفيرة المال والجاه، أمثال أبي سلمة الخلال الفارسي المعروف.
وسترى كيف تحولت الدعوة العلوية إلى وجهة أخرى، وكيف استغلت لمصلحة العباسيين.
| هوامش
الفصل الثاني
| العصبية والموالي في الدولة العباسية
(1) توطئة
لقد مرت بك إشارة بسيطة - حين تكلمنا عن العصر الأموي - إلى حنق الموالي الذين نالهم في ذلك العصر من الاحتقار والزراية حظ غير قليل، وبينا لك أن هذه الناحية من المعاملة التي لا تنطبق على المذهب الحديث «حرية، إخاء، مساواة»، كانت عاملا قويا من عوامل الضعف والانحطاط في دولتهم، ووعدناك أن ندرس حال العصبية والموالي في هذا الفصل من الكتاب تمشيا مع النظام الذي وضعناه له.