تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صاغه الله مطعم الناس في الأر

ض وصاغ السحاب للإسقاء

فأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: استعن بهذه على نفقة صومك؛ ثم دخل إليه ثاني شوال فأنشده:

عللاني بصفو ما في الدنان

واتركا ما يقوله العاذلان

واسبقا فاجع المنية بالعي

ش فكل على الجديدين فاني

عللاني بشربة تذهب اله

م وتنفي طوارق الأحزان

والقيا في مسامع سدها الصو

م رقى الموصلي أو دحمان

قد أتانا شوال فاقتبل العي

ش وأعدى قسرا على رمضان

نعم عون الفتى على نوب الده

ر سماع القيان والعيدان

وكئوس تجري بماء كروم

ومطي الكئوس أيدي القيان

من عقار تميت كل احتشام

وتسر الندمان بالندمان

وكأن المزاج يقدح منها

شررا في سبائك العقيان

فاشرب الراح واعص من لام فيها

إنها نعم عدة الفتيان

واصحب الدهر بارتحال وحل

لا تخف ما يجره الحادثان

حسب مستظهر على الدهر ركنا

بحميد ردءا من الحدثان

ملك يقتني المكارم كنزا

وتراه من أكرم الفتيان

خلقت راحتاه للجود والبأ

س وأمواله لشكر اللسان

ملكته على العباد معد

وأقرت له بنو قحطان

أريحي الندا جميل المحيا

يده والسماح معتقدان

وجهه مشرق إلى معتفيه

ويداه بالغيث تنفجران

جعل الدهر بين يوميه قسمي

ن بعرف جزل وحر طعان

فإذا سار بالخميس لحرب

كل عن نص جريه الخافقان

وإذا ما هززته لنوال

ضاق عن رحب صدره الأفقان

غيث جدب إذا أقام ربيع

يتغشى بالسيب كل مكان

يا أبا غانم بقيت على الده

ر وخلدت ما جرى العصران

ما نبالي إذا عدتك المنايا

من أصابت بكلكل وجران

قد جعلنا إليك بعث المطايا

هربا من زماننا الخوان

وحملنا الحاجات فوق عتاق

ضامنات حوائج الركبان

ليس جود وراء جودك ينتا

ب ولا يعتفي لغيرك عاني

فأمر له بعشر آلاف درهم، وقال: تلك كانت للصوم فخففت وخففنا، وهذه للفطر فقد زدتنا وزدناك.

ولما مات حميد الطوسي رثاه بقصيدته العينية المشهورة التي تعد من نادر الشعر وبديعه، وهي:

أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع

وما صاحب الأيام إلا مفجع

ولو سهلت عنك الأسى كان في الأسى

عزاء معز للبيب ومقنع

تعز بما عزيت غيرك إنها

سهام المنايا حائمات ووقع

أصبنا بيوم في حميد لو انه

أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع

وأدبنا ما أدب الناس قبلنا

ولكنه لم يبق للصبر موضع

ألم تر للأيام كيف تصرمت

به، وبه كانت تذاد وتدفع

وكيف التقى مثوى من الأرض ضيق

على جبل كانت به الأرض تمنع

ولما انقضت أيامه انقضت العلا

وأضحى به أنف الندى وهو أجدع

وراح عدو الدين جذلان ينتحي

أماني كانت في حشاه تقطع

وكان حميد معقلا ركعت به

قواعد ما كانت على الضيم تركع

وكنت أراه كالرزايا رزئتها

ولم أدر أن الخلق تبكيه أجمع

حمام رماه من مواضع أمنه

حمام، كذاك الخطب بالخطب يقدع

وليس بغرو أن تصيب منية

حمى أختها أو أن يذل الممنع

لقد أدركت فينا المنايا بثأرها

وحلت بخطب وهيه ليس يرقع

نعاء حميدا للسرايا إذا غدت

تذاد بأطراف الرماح وتوزع

وللمرهق المكروب ضاقت بأمره

فلم يدر في حوماتها كيف يصنع

وللبيض خلتها البعول ولم يدع

لها غيره داعي الصباح المفزع

كأن حميدا لم يقد جيش عسكر

إلى عسكر أشياعه لا تروع

ولم يبعث الخيل المغيرة بالضحى

مراحا ولم يرجع بها وهي ظلع

رواجع يحملن النهاب ولم تكن

كتائبه إلا على النهب ترجع

هوى جبل الدنيا المنيع وغيثها ال

مريع وحاميها الكمي المشيع

وسيف أمير المؤمنين ورمحه

ومفتاح باب الخطب والخطب أفظع

فأقنعه من ملكه ورباعه

ونائله قفر من الأرض بلقع

على أي شجو تشتكي النفس بعده

إلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع

ألم تر أن الشمس حال ضياؤها

عليه وأضحى لونها وهو أسفع

وأوحشت الدنيا وأودى بهاؤها

وأجدب مرعاها الذي كان يمرع

وقد كانت الدنيا به مطمئنة

فقد جعلت أوتادها تتقلع

بكى فقده روح الحياة كما بكى

نداه الندى وابن السبيل المدفع

وفارقت البيض الخدور وأبرزت

عواطل حسري بعده لا تقنع

وأيقظ أجفانا وكان لها الكرى

ونامت عيون لم تكن قبل تهجع

ولكنه مقدار يوم ثوى به

عصر المأمون · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٥٩