تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غي ورشد وإصلاح وإفساد

فاستحسن الأبيات وأمر له بثلثمائة دينار وحمله وخلع عليه.

لما أطلق عبد الله بن طاهر علي بن الجهم من الحبس أقام معه بالشاذياخ مدة، فخرجوا يوما إلى الصيد. واتفق لهم مرج كثير الطير والوحش وكانت أيام الزعفران، فاصطادوا صيدا كثيرا حسنا، وأقاموا يشربون على الزعفران، فقال علي بن الجهم يصف ذلك:

وطئنا رياض الزعفران وأمسكت

علينا البزاة البيض حمر الدرارج

211

ولم تحمها الأدغال منا وإنما

أبحنا حماها بالكلاب البوارج

بمستروحات سابحات بطونها

على الأرض أمثال السهام الزوالج

212

ومستشرفات بالهوادي كأنها

وما عقفت منها رءوس الصوالج

ومن دالعات ألسنا فكأنها

لحى من رجال خاضعين كواسج

فلينا بها الغيطان فليا كأنها

أنامل إحدى الغانيات الحوالج

فقل لبغاة الصيد هل من مفاخر

بصيد وهل من واصف أو مخارج

قرنا بزاة بالصقور وحومت

شواهيننا من بعد صيد الروامج

213

لما فلج ابن أبي دواد شمت به علي بن الجهم وأظهر ذلك له وقال فيه:

لم يبق منك سوى خيالك لامعا

فوق الفراش ممهدا بوساد

فرحت بمصرعك البرية كلها

من كان منهم موقنا بمعاد

كم مجلس لله قد عطلته

كي لا يحدث فيه بالإسناد

ولكم مصابيح لنا أطفأتها

حتى نزول عن الطريق الهادي

ولكم كريمة معشر أرملتها

ومحدث أوثقت في الأقياد

إن الأساري في السجون تفرجوا

لما أتتك مواكب العواد

وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجد

شيئا لدائك حيلة المرتاد

فذق الهوان معجلا ومؤجلا

والله رب العرش بالمرصاد

لا زال فالجك الذي بك دائبا

وفجعت قبل الموت بالأولاد

ومن جيد شعره قوله:

نطق الهوى بجوى هو الحق

وملكتني فليهنك الرق

رفقا بقلبي يا معذبه

رفقا وليس لظالم رفق

وإذا رأيتك لا تكلمني

ضاقت علي الأرض والأفق

وله أيضا:

يا رحمة للغريب بالبلد النا

زح ماذا بنفسه صنعا

فارق أحبابه فما انتفعوا

بالعيش من بعده وما انتفعا (20) علي بن جبلة

قال المأمون يوما لبعض جلسائه: أقسم على أن حضر ممن يحفظ قصيدة علي بن جبلة

214

الأعمى في القاسم بن عيسى إلا أنشدنيها؛ فقال له بعض الجلساء: قد أقسم أمير المؤمنين ولا بد من إبرار قسمه، وما أحفظها ولكنها مكتوبة عندي؛ قال: قم فجئني بها، فمضى وأتاه بها وأنشده إياها، وهي:

ذاد ورد الغي عن صدره

وارعوى واللهو من وطره

وأبت إلا البكاء له

ضحكات الشيب في شعره

ندمي أن الشباب مضى

لم أبلغه مدى أشره

وانقضت أيامه سلما

لم أجد حولا على غيره

حسرت عني بشاشته

وذوى المحمود من ثمره

ودم أهدرت من رشأ

لم يرد عقلا على هدره

فأتت دون الصبا هنة

قلبت فوقي على وتره

جارتا ليس الشباب لمن

راح محنيا على كبره

ذهبت أشياء كنت لها

صارها

215

حلمي إلى صوره

دع جدا قحطان أو مضر

في يمانيه وفي مضره

وامتدح من وائل رجلا

عصر الآفاق في عصره

المنايا في مناقبه

والعطايا في ذرا حجره

ملك تندى أنامله

كانبلاج النوء عن مطره

مستهل عن مواهبه

كابتسام الروض عن زهره

جبل عزت مناكبه

أمنت عدنان في ثغره

إنما الدنيا أبو دلف

بين مبداه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلف

ولت الدنيا على أثره

لست أدري ما أقول له

غير أن الأرض في خفره

يا دواء الأرض إن فسدت

ومديل اليسر من عسره

كل من في الأرض من عرب

بين باديه إلى حضره

مستعير منك مكرمة

يكتسيها يوم مفتخره

وفيها يقول:

وزحوف في صواهله

كصياح الحشر في أثره

قدته والموت مكتمن

في مذاكيه ومشتجره

فرمت حقويه منه يد

طوت المنشور من نظره

زرته والخيل عابسة

تحمل البؤسى على عقره

خارجات تحت رايتها

كخروج الطير من وكره

وعلى النعمان عجبت به

عوجة ذادته عن صدره

غمط النعمان صفوتها

فرددت الصفو في كدره

ولقرقور أدرت رحا

لم تكن ترتد في فكره

قد تأنيت البقاء له

فأبى المحتوم من قدره

وطغى حتى رفعت له

خطة شنعاء من ذكره

فغضب المأمون واغتاظ، وقال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.

وكان يمدح حميد بن عبد الحميد، فلما سمع حميد هذا في أبي دلف قال: أي شيء بقيت لنا بعد هذا من مدحك؟ فقال:

عصر المأمون · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٥٧